في الآونة الأخيرة، بدأ كثير من المراهقين والشباب يعيدون النظر في حياتهم اليومية، بعد أن امتلأت هواتفهم بمقاطع قصيرة لعائلات وأزواج يصفون حياتهم بأنها "مثالية"، بدءاً من المنازل الفاخرة وصولاً إلى رحلات السفر حول العالم التي تتسم بالبذخ، فما بدأ كمحتوى ترفيهي تحول تدريجياً إلى مصدر ضغط نفسي، أدى إلى شعور بعض المراهقين والمتزوجين بعدم الرضا عن حياتهم، بل وصل الأمر أحياناً إلى مقاطعة المشاهير وصناع المحتوى الترفيهي في مختلف أنحاء الوطن العربي.
ويرى مغردون أطلقوا الحملة عبر مختلف المنصات أن الصورة المثالية التي يسعى بعض المشاهير إلى ترويجها عن العلاقات الاجتماعية "غير واقعية"، وتؤثر على البينة النفسية للمراهقين وحتى المتزوجين وذلك من خلال تشكيل صورة غير سليمة لديهم عن الحياة الواقعية وتعقيداتها.
وعليه، بادر كثيرون إلى إلغاء متابعة حسابات هؤلاء المشاهير، فيما لجأ آخرون إلى إعادة تداول مقاطع قديمة غير هادفة لهم بهدف زيادة الضغط عليهم، وقد أثارت الحملة جدلاً واسعاً، دفع بعض الثنائيات الشهيرة إلى الخروج وتبرير مواقفهم، وعلى الجانب الآخر تجاهل بعض المشاهير الحملة ضدهم واستمروا في تقديم المحتوى "الباذخ والمستفز" وهذا ما فسره البعض أنه دليل الانفصال عن الواقع.

وعليه، سأل موقع 24 عدداً من المغردين عن الدوافع التي حفّزت الجمهور على تبني فكرة المقاطعة، إذ رأت المغردة آلاء ردايدة أن القضية أعمق من مجرد مواقف يومية يشاركها هؤلاء المؤثرون عن حياتهم الشخصية.
وقالت لـ24 "المقاطعة ليست لأنهم لا يتحدثون عن القضايا المفصلية العالمية مثل حرب غزة ويسلطون الضوء على القضايا التربوية والتعليمية التي تفيد متابعيهم، بل لأن الأطفال والمراهقين باتوا يتعاملون مع الشهرة كغاية، بغض النظر عن الوسيلة، مما يخلق هشاشة نفسية وجوعاً عاطفياً ويغرس قناعات خطيرة بأن كل شيء مباح".
وفي هذا السياق، علّق الشاب محمود العزام وهو متزوج ولديه من العمر "33 عاماً" وقال :"كنت أتابع في فترة من الفترات محتوى هؤلاء المؤثرين بشكل يومي، لكن سرعان ما لاحظت أنني بدأت أقارن حياتي الأسرية بما يعرضونه من رفاهية ومثالية مبالغ فيها" وأشار بالقول:"هذه المقارنات ولّدت شعوراً بعدم القناعة والرضا عن تفاصيل حياتي الطبيعية، وكأن ما أملكه أقل قيمة".
ولفت العزام إلى أن "الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تأثير هذه الفئة على المراهقين بل أيضاً على الفئات جميعها فقد يتأثرون دون وعي، ويظنون أن الحب أو العلاقة الزوجية لا بد أن تكون نسخة مطابقة لما يشاهدونه عبر المنصات، وهذا ما يخلق فجوة بين الواقع وما يتم ترويجه مثل الدخول في داومة من الصراعات الأسرية".
أما المغردة لمى الحموري وهي متزوجة حديثاً فقدمت وجهة نظر مختلفة عن المقاطعة وإلغاء المتابعة، وقالت :"لم أقاطعهم ولا أفكر أن أفعل، فأنا أعي جيداً مَن أتابع ومَن أتأثر به، المشكلة ليست فيهم وحدهم، بل في الجمهور الذي يسير خلف أي تريند دون وعي، إذا كان الإنسان يملك القدرة على التمييز بين المحتوى الترفيهي والحياة الواقعية، فلن يتأثر سلباً بمثل هذه المقاطع".
ورأت الحموري أن المسؤولية لا تقع فقط على صانعي المحتوى، بل على المتابعين أيضاً في كيفية استهلاكهم لهذا المحتوى، مؤكدة أن "الوعي الذاتي هو خط الدفاع الأول ضد أي تأثيرات سلبية محتملة."
ويرى نشطاء أن شهرة هذه الحسابات تعود إلى اعتمادها على تقديم تفاصيل حياة أسرية مثالية، ما جعلها مرجعاً وهمياً للأزواج أو المقبلين على الزواج، إذ تُظهر الإحصائيات أن محتوى "الكوبلز" يتابعه ملايين عبر منصات إنستغرام ويوتيوب وتيك توك، ومن أبرز الأسماء نارين ورامي سامو، شيرين وزوجها، أليونا ويزن، إلى جانب ثنائيات أخرى تبث تفاصيل حياتها اليومية.
وفي سياق متصل، شاركت المغردة ريما خليفات وهي أم لطفلة تجربتها الشخصية، وقالت بداية زواجي كنت أتابع مقاطع هؤلاء الثنائيات بشكل شبه يومي، في البداية شعرت أنها مسلية وتعطيني أفكاراً جديدة للتسلية في علاقتي الزوجية، لكن مع الوقت بدأت أقارن حياتي الزوجية بما أراه على الشاشة.
وأضافت :"صرت أشعر أنني أقل منهم، وأن زواجي يفتقد ما يظهرونه من رومانسية وهدايا ومناسبات، وهذا انعكس سلباً على علاقتي بزوجي، وفي مرحلة ما شعرت بالضغط النفسي، وكأن حياتي الطبيعية لا تكفي، لكن عندما أدركت أن معظم هذا المحتوى مجرد استعراض مصطنع من أجل المشاهدات، قررت التوقف عن مشاهدتهم".
وفي حديث خاص لـ24، أوضح الطبيب النفسي علاء الفروخ أن سلبيات متابعة مثل هذا المحتوى تفوق بكثير أي إيجابيات محتملة، وقال :"قد يكون لمتابعة هذا النوع من المحتوى جانب إيجابي إذا تم بوعي وإشراف من الأهل".
وأضاف الفروخ أحياناً يرى المراهقون في هذه المقاطع نموذجاً لكيفية التعبير عن العاطفة أو التعامل مع الطرف الآخر بلغة لطيفة، وهذا قد يساعدهم على كسر الجمود العاطفي والتعلم أن التعبير عن المشاعر ليس عيباً، كذلك، بعض الفيديوهات قد تثير نقاشات داخل الأسرة بين الأبناء وأهاليهم حول معنى العلاقات الصحيحة والحدود التي يجب أن تُرسم فيها.
أما بالنسبة للأزواج، فبعض المقاطع قد تلهمهم بأفكار بسيطة تضيف لمسة رومانسية أو مسلية في العلاقة، مثل طرق الاحتفال بالمناسبات أو أساليب التواصل المرح، هذا النوع من الإلهام قد يُنعش الروتين اليومي ويخلق مساحات جديدة للتفاعل الإيجابي.
وأشار الفروخ بالقول: "قد يستفيد البعض من نصائح عامة، مثل طرق التواصل بين الشريكين أو أسس اختيار الشريك، لكن الخطر يكمن في أن لكل تجربة خصوصيتها ولا يمكن تعميمها، والمقارنات التي يجريها الأزواج مع هذه النماذج المصطنعة مصيرها الفشل".
وأضاف الفروخ: "غالباً ما يُعرض هذا المحتوى الحياة الزوجية أو العائلية بصورة مثالية تخلو من المشكلات والتعقيدات الواقعية، ما يخلق توقعات غير واقعية ويؤدي إلى المقارنات المرضية".
وتابع مؤكداً: "هذا ينعكس سلباً على الرضا الزوجي ويُسهم في اهتزاز العلاقات الأسرية، إذ أن هذه المقارنات خطيرة جداً، وإن لم تتوقف مثل هذه الظواهر سنشهد ارتدادات نفسية واجتماعية متزايدة، الحل ليس في تقليد هذه الثنائيات، بل في اللجوء إلى مختصين أسريين إذا واجهت الأسر أي خلافات حقيقية".
وقال الفروخ إن المراهقين هم الفئة الأكثر عرضة للتأثر بما يقدمه هؤلاء "الكوبلز" من محتوى، وذلك لغياب النضج النفسي والاجتماعي الكافي لديهم، وأوضح أن متابعة هذه النماذج قد تؤدي إلى بناء توقعات غير واقعية حول الزواج والحب، فيظن المراهق أن الحياة لا بد أن تكون مثالية وخالية من الخلافات، مما يجعله يرفض مواجهة المشكلات الطبيعية أو يتعامل معها كفشل.
وأضاف: "الأخطر أن بعض المقبلين على الزواج يتبنون صورة خيالية للعلاقة، وحين يصطدمون بالواقع يشعرون بالإحباط وربما يدخلون في صراعات زوجية مبكرة".
المقاطعة هل تجدي نفعاً؟
ويرى الفروخ أن المقاطعة قد تكون خياراً صحياً لبعض الأشخاص الذين يفتقرون إلى القدرة على الفصل بين الواقع والمحتوى الافتراضي، خصوصاً صغار السن، لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن الحل لا يكمن فقط في المقاطعة، بل في رفع الوعي.
وأردف: "ليس كل الناس قادرة على ممارسة النقد الداخلي أثناء المشاهدة، لذلك من المفيد أحياناً الامتناع عن المتابعة، لكن الأجدى أن نُدرّب أنفسنا وأبناءنا على التفكير النقدي، وأن نوضح لهم أن ما يشاهدونه محتوى ترفيهي مُنتج بعناية، وليس انعكاساً لحياة طبيعية تعكس الواقع بشكل فعلي".
وشدّد الفروخ على أهمية أن يكون الجمهور واعياً أثناء استهلاك هذا النوع من المحتوى، وأوضح بالقول إذا لاحظت أن هذه الفيديوهات تُشعرك بعدم الرضا عن حياتك أو بعجز عن مجاراة الآخرين، فهذه إشارة خطر تستدعي التوقف أو طلب المساعدة من مختص.
وبرأي الفروخ المطلوب أن نتذكر أن المقارنة مضللة، وأن كل أسرة لها واقعها الخاص، والبحث عن حلول للمشكلات يجب أن يتم عبر قنوات حقيقية، مثل الاستشارة الأسرية أو النفسية، لا عبر نسخ تجارب الآخرين".