متسلقاً فوق جذوع الأشجار المكسوّة بالطحالب والأغصان المتساقطة، يشرح هانس يويستِن المخاطر الكامنة في اجتياز المستنقعات الخثية.

ويقول عالم الأحياء الهولندي، وهو يخوض في الأرض الإسفنجية حيث تقفز الضفادع الصغيرة بين أشجار ألدر والسراخس الخضراء الزاهية لصحيفة "فايننشال تايمز": "لا يمكنك أن تتنبأ بما إذا كان العمق 10 سنتيمترات أم متراً واحداً".

ويضيف أنّ جيشاً مزوّداً بمدرّعات ثقيلة سيجد صعوبة بالغة في دخول هذه المنطقة المستنقعية في شمال شرق ألمانيا، المعروفة باسم كيسهوفر مور: "سوف يغرقون فوراً".

المستنقعات.. جبهة جديدة

ولهذا السبب يؤمن يويستِن بأن مستنقعات مثل كيسهوفر يمكن أن تصبح جبهة حيوية في مواجهة اثنين من أكبر التهديدات التي تواجه أوروبا: التوسع الروسي والتغيّر المناخي من صنع الإنسان.

وفيما تستعد القارة لإنفاق مئات المليارات على إعادة التسلّح، يخشى كثير من العلماء أن البيئة تُلقى جانباً.

لكن يويستِن، البالغ من العمر 70 عاماً والمُلقّب من زملائه بـ "بابا الأراضي الخثية"، يرى أنّ إنقاذ الأراضي الرطبة المستنزفة هو وسيلة فعّالة من حيث التكلفة لإبقاء فلاديمير بوتين بعيداً، مع إنقاذ مخزن كربون لا يقدَّر بثمن في الوقت نفسه، بحسب الصحيفة.

يقول: "هناك كثير من المواقف الرابحة لكلا الجانبين بحيث لا يجوز تجاهلها". ويضيف: "يمكنك تعزيز قوتك الدفاعية مع تحقيق فوائد للمناخ، وللتنوّع البيولوجي، ولضبط المحاصيل، ولتوفير المياه".

الماء.. سلاح دفاعي

لعب الماء دوراً في الاستراتيجيات الدفاعية عبر آلاف السنين. فقد اعتبر الجنرال البروسي والمنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز أنّ المستنقعات من بين "أقوى خطوط الدفاع".

وقد استخدم الزعيم الجرماني أرمينيوس أراضي الغابات الخثية المظلمة واللزجة في غابة تويتوبورغ لإلحاق واحدة من أعظم الهزائم بالجيش الروماني.

وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر، استخدم الهولنديون الفيضانات الاستراتيجية لصدّ الغزاة الإسبان والفرنسيين.

أما في الآونة الأخيرة، فحين حاولت القوات المسلحة الأوكرانية وقف اندفاعة المدرعات الروسية نحو كييف في الأيام الأولى من هجوم 2022، دمّرت سداً يعود للعهد السوفيتي على بُعد 20 كيلومتراً شمال العاصمة.

ويقول فيكتور كيفليوك، الخبير العسكري في مركز استراتيجيات الدفاع في كييف: "بدلاً من التقدّم مباشرة نحو كييف، أُجبر العدو إمّا على البحث عن طرق بديلة أو على التباطؤ". ويضيف: "لقد أعطى ذلك الجانب الأوكراني وقتاً لتعزيز الدفاع على الضفة اليمنى من نهر إربين، حيث قامت المياه والمستنقعات بدور خندق مضاد للدبابات.. الطبيعة قامت بدورها".

ومنذ ذلك الحين، اعتمدت أوكرانيا مراراً على الأنهار والسهول الفيضية والأراضي المستنقعية. وقد لاحظت دول أوروبية أخرى هذه الدروس.

ويقول رئيس الوزراء الإستوني كريستين ميكال للصحيفة: "نحن نستخدم كل ما بوسعنا. فإذا وُجدت حواجز طبيعية على الحدود مثل المستنقعات أو الأراضي الخثية أو البحيرات… فإن ذلك يساعدنا".

مواقف متباينة في أوروبا

لكن دولاً أخرى بدت أكثر تردّداً بشأن الاستخدام العسكري للأراضي الرطبة.

فمأساة حديثة أصابت فرقة مشاة أمريكية شكّلت تذكيراً بخطر المستنقعات حتى على قوات الناتو نفسها. ففي مارس (آذار)، حيث قُتل أربعة جنود أمريكيين خلال مهمة تدريبية عندما علقت عربتهم المدرّعة في مستنقع عميق قرب الحدود الليتوانية مع بيلاروسيا، بحسب التقرير.

وقالت وزارة الدفاع الألمانية للصحيفة إن إعادة ملء الأراضي بالمياه لأغراض عسكرية بحتة يمكن أن تحمل مزايا وعيوباً لحلف الناتو، لكنها "ليست أولوية" للحكومة الحالية.

أما عالم الأحياء البولندي ميخال جميهورسكي فأكد أنه لاحظ "فجوة كبيرة" بين الكلام والفعل عندما عرض استراتيجيته على وزارة الدفاع في بلاده في يوليو (تموز) حول استخدام البيئة كحاجز عسكري. ويقول: "قالوا إنهم مهتمون جداً، لكننا لم نر أنشطة ميدانية تُظهر أنهم يعدّلون تخطيطهم الدفاعي".

وبدلاً من ذلك، بنت بولندا سياجاً فولاذياً بارتفاع خمسة أمتار في منتزه بياوفيجيا الوطني، مما شطر غابة فريدة وأرضاً رطبة إلى قسمين، في محاولة لوقف عبور المهاجرين عبر بيلاروسيا.

ويقول ناشطون بيئيون إن أحدث مشروع حدودي في البلاد، المعروف باسم الدرع الشرقي، يتعارض أيضاً مع حماية الأراضي الرطبة. ولم ترد وزارة الدفاع البولندية على طلب للتعليق