مع بداية كل عام دراسي، تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى معرض مفتوح لصور "اللانش بوكس" المدرسي، حيث تتفنن الأمهات في ترتيب الطعام داخل علب ملوّنة، مقسّمة، تفيض بالألوان والديكورات، وكأنها لوحات فنية مشكلة من وجبات غذائية. لكن خلف هذه الصور اللامعة، تنكشف ظاهرة اجتماعية استدعت تعليق المتخصصين على حدودها وجوانبها الإيجابية والسلبية.
ما الذي حدث للطعام البسيط؟ تقول هبة سامي، أم لطفلتين في المرحلة الابتدائية: "أول مرة دخلت فيها إلى مجموعة واتس آب المخصصة لأمهات المدرسة، شعرت أني فاشلة، فقد رأيت كماً كبيراً من الجهد والأفكار في صور اللانش بوكس المتنوع، والذي يختلف كلياً عن طريقتي في وضع الأطعمة لبناتي، فأنا تقليدية جداً وبسيطة".
وأضافت "في البداية تأثرت وبدأت أشتري أدوات تقطيع، وصناديق خاصة، واستغربت حجم الأفكار الموجودة في الأسواق والأشكال المختلفة وأسعارها المرتفعة وكأن الأمر أصبح جزءاً أساسياً من لوازم الطلبة، ولكن لحسن الحظ بناتي لم يحبذن الفكرة وقلن إنهن لا يستطيعن إمساك الأطعمة بشكل جيد بعد تشكيلها على هيئة قلوب وأزهار، ما دفعني لإلغاء الأمر، وكنت سعيدة بأنهن لم يتأثرن، فالأمر مرهق وفيه هدر للطعام بشكل واضح".
عرض صباحي
وفي سياق تجربة مختلفة قالت فاطمة حمد: "مع انتشار ترند اللانش بوكس، بات يُنظر إليه معياراً للأم المهتمة بأطفالها لا وسيلةً بسيطة لتغذية الطفل". وأضافت "سبب لي اللانش بوكس أزمة حقيقية مع طفلتي، 8 أعوام، فهي تتفنن في الأفكار والطلبات والأشكال التي لا أستطيع أساساً أن أنفذها، وكأن هناك عرضاً يومياً في المدرسة بينها وبين زميلاتها، من تقدم الأطعمة الأجمل وليست الأكثر فائدة".
هوس يومي
وتابعت "أفكر حالياً بشكل جدي في التواصل مع المدرسة ودفعها للتدخل لحل الأمر ومنع هذا الهوس، خاصة أن هناك أمهات مثلي لديهن نفس المشكلة، لا يعقل أن نهدر الأطعمة من أجل تصميم شكل معين، أو أن نضع أطعمة لا قيمة غذائية لها، ولكن لأن شكلها قابل للتصميم".
من جهتها قالت مرح علي: "وصل الحد إلى أن أضع في اللانش بوكس أطعمة أعرف أن ابنتي لا تحبها، مثل التفاح الأخضر مثلًا، ولكنها تصر عليه لأنه يعطي لوناً مناسباً لشكل الشجرة في اللوحة المطلوب أن أرسمها يومياً بوجبة الغداء، وأسميها لوحةً لأنها بالفعل كذلك. الأمر مرهق ومكلف ولا أجده مناسباً لمستوى الاهتمامات التنافسية المطلوب أن تكون ضمن أولوياتها وهي التعليم والتميز وليس اللانش بوكس".
فيما تقول لانا أحمد: "الاستعراض في اللانش بوكس لا يقتصر على المدارس وبين زملاء الفصل الواحد، بل الأمر وصل إلى حد النشر اليومي على السوشيال ميديا من قبل الأمهات، فهناك تنافس محتدم حقيقي بينهن في التصميم والابتكار. ومن هنا تبدأ المشكلة، أو الظاهرة، في رأيي يجب توعية الأمهات بأن الأمر ليس للتنافس".
وأضافت "المبالغة تفسد أي أمر، الهدف من تجميل اللانش بوكس تشجيع الأطفال على تناول أطعمتهم المفيدة بشكل كامل وتحفيزهم، ولكن الأمر انحرف عن الهدف الأساسي ودخل سباق التنافس الشكلي الذي أدى للمبالغة في الإنفاق وهدر الطعام".
سلبيات كثيرة
ورأت الدكتورة مها عبدالله، أستاذة علم اجتماع أسري، أن "ترند اللانش بوكس" تجاوز فكرة الحرص على صحة الأبناء وتشجيعهم على الأكل، وأصبح في كثير من الأحيان مجالًا للمقارنة والتفاخر بين الأمهات عبر منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي ترتّب عليه هدر مادي في شراء أدوات، ومكونات باهظة لا تضيف قيمة حقيقية، إضافة إلى هدر للطعام عندما يعجز الطفل عن تناول الكميات، أو الأنواع المقدمة له، أو خلال عملية تصميم الأطعمة، حيث تذهب الكثير من القطع هدراً.
تأثير نفسي
وأكدت الدكتورة مها، أن هذه الممارسات قد تؤثر على الطلاب نفسياً، حيث ينظر بعضهم إلى ما يحمله زملاؤهم باعتباره معياراً اجتماعياً، ما يزرع لديهم إحساساً بالفوارق منذ الصغر. وشددت على أهمية توعية الأمهات بأن الهدف من تحضير الطعام هو تغذية الأبناء بما يتناسب مع احتياجاتهم، لا الدخول في منافسة شكلية.
ضغط اجتماعي
وأوضحت آلاء القدرة، أخصائية اجتماعية، أن التنافس بين الأمهات في "اللانش بوكس" يعكس ضغطاً اجتماعياً بسبب حب لفت الانتباه والتباهي في موضع لا إنجاز حقيقياً أومهماً فيه، وهو ما قد يشوّه أولويات التربية الصحيحة. ولفتت إلى أن الأطفال يتأثرون بهذا السلوك، فيرون أن المظاهر أهم من القيمة الغذائية، ما قد يُرسّخ لديهم أن الشكل أهم من الجوهر.
حلول ونصائح
ودعت الأخصائية الاجتماعية إلى توعية مدرسية، توجه أولياء الأمور والطلبة إلى دور اللانش بوكس وما يجب أن يحتويه بعيداً عن أي مظاهر شكلية تنافسية. ولفتت إلى أهمية تعزيز روح البساطة، وتجنب الهدر فهما الأصل، وتشجيع الطلاب على مبادرات عن الوجبات الصحية والمشاركة بما يعزز قيم المسؤولية والتكافل بدل المقارنة. كما طالبت الأمهات باعتماد وجبات بسيطة ومتوازنة بعيداً عن البذخ، مع غرس قيم الامتنان لدى الأطفال تجاه الطعام.