قال الكاتب والخبير في الشؤون الدفاعية روبن إف. جونسون، في "National Security Journal"، إن بولندا باتت تواجه واقعاً جديداً بعد أن اخترقت طائرات روسية دون طيار مجالها الجوي، في أول عمل عدائي مباشر ضد عضو في حلف شمال الأطلسي. وأوضح الكاتب أن الحادثة كانت بمنزلة جرس إنذار جعل آلاف البولنديين يتسابقون للتطوع في برامج التدريب العسكري، استعداداً لمرحلة غير مسبوقة في تاريخ بلادهم الحديث.

وأضاف الكاتب أن الهجوم الروسي على أوكرانيا تضمن إطلاق أكثر من 400 طائرة دون طيار، عبرت نحو 20 منها الأجواء البولندية، وهو ما اعتبرته وارسو عملاً عدائياً صريحاً ضدها. وأوضح الكاتب أن هذا التطور كان كفيلاً بتغيير المزاج العام في بولندا بين ليلة وضحاها، إذ اندفع المواطنون، رجالاً ونساء، نحو مراكز التدريب العسكري.

على غرار النموذج الإسرائيلي

وأشار الكاتب إلى أن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أعلن في الشهر الماضي خطةً لإنشاء قوة احتياط على غرار النموذج الإسرائيلي، بحيث يخضع مئات آلاف المواطنين لبرامج تدريب تجعلهم مستعدين لمواجهة أي تهديد. وقال توسك أمام البرلمان: "نريد أن يكون كل بولندي بالغاً مستعداً للحرب"، مشيراً إلى أن النساء أيضاً بدأن التسجيل في هذه الدورات، وأن بعضهن استغل إجازاتهن السنوية للالتحاق بالتدريبات.

ثالث أكبر قوة في ناتو

وتابع الكاتب أن الجيش البولندي يضم حالياً نحو 200 ألف عنصر، ما يجعله ثالث أكبر قوة في ناتو بعد الولايات المتحدة، وتركيا، وأكبر قوة عسكرية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.  وأضاف أن بولندا تنفق 4.7% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وهي النسبة الأعلى بين جميع أعضاء الحلف، متقدمة على دول كبرى مثل ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا.

تعبئة شعبية

وأشار الكاتب إلى أن أكثر من 20 ألف بولندي التحقوا بالتدريب الطوعي في الأشهر السبعة الأولى من 2025، فيما تتوقع السلطات أن يصل العدد إلى 40 ألفاً، بنهاية العام، أي أكثر من ضعف ما سُجّل في 2022.  وأوضح الكولونيل غريغورز فافجينكيفيتش، رئيس مركز التجنيد العسكري في بولندا، أن هذا الإقبال غير المسبوق يعكس القلق الشعبي العميق من تجدد التهديد الروسي.

ذكريات التاريخ

وقال الكاتب إن الذاكرة تلعب دوراً أساسياً في الموقف البولندي، فذكريات  الاحتلال السوفييتي، والحكم الشيوعي لا تزال حيّة لدى الكثير من المواطنين. وأوضح أن تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتكررة عن "التاريخ الروسي" تثير مخاوف البولنديين، وتزيد شكهم في موسكو. ونقل عن أحد القادة السابقين في ناتو، أن "ما يقوله بوتين يجعل البولنديين في قمة الحذر، والتوجس من نواياه".

مشاركة النساء

ولفت الكاتب النظر إلى مشاركة النساء في برامج التدريب، إذ تحدثت إحداهن لوكالة رويترز عن دافعها الشخصي قائلة: "أريد أن أكون قادرة على حماية عائلتي، خاصة ابني، 13 عاماً. سأفعل كل شيء لأضمن سلامته". وأوضح الكاتب أن هذه البرامج تسهدف كذلك بلاستفادة من مهارات المتطوعين المدنيين في دعم الجيش بخبراتهم التخصصية.

وأوضح الكاتب أن بولندا تواجه تحدياً ديموغرافياً يتمثل في انخفاض عدد السكان، وتقدم أعمارهم، ما يجعل تعزيز قوة الاحتياط أمراً ضرورياً.  وأضاف أن وارسو تخطط لزيادة عدد الجيش بنسبة الثلث في العقد المقبل، لتعويض أي نقص محتمل في القوى البشرية.

وخلص الكاتب إلى أن بولندا تعيش لحظة فارقة، إذ تتحول من دولة ذات تاريخ طويل من المعاناة تحت النفوذ الروسي، إلى قوة عسكرية صاعدة في ناتو. وأكد أن ما يجري اليوم هو مزيج من استعادة الذاكرة، والاستعداد العملي لمواجهة المستقبل، مشدداً على أن وارسو تراهن على الشجاعة والإرادة الشعبية لتفادي الأسوأ، في وقت لا تزال فيه المخاطر قائمة على حدودها الشرقية.