في وقت تشهد فيه أجواء أوروبا توترات غير مسبوقة، تطرح غارات الطائرات المسيّرة الروسية أسئلة مقلقة حول مدى جاهزية حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمواجهة هذا النوع الجديد من التهديدات.
وبحسب تحليل نشرته "نيوزويك"، فإن موجة التوغلات الأخيرة للطائرات المسيّرة تمثل بعضاً من أخطر انتهاكات الأجواء في تاريخ الحلف، وتكشف عن ثغرات في قدرته على الردع، والتصدي لحرب الظل، التي تجيد موسكو إدارتها.
حرب المسيّرات.. واقع جديد
قال التحليل إن الطائرات المسيّرة لم تعد مجرد تقنية حديثة ظهرت مع "الحرب على الإرهاب" مطلع القرن الحالي، بل تحوّلت إلى أدوات قتالية رخيصة وفعّالة. فقد أثبتت التجارب، بدءاً من استخدام تنظيم "داعش" للطائرات التجارية المعدلة في العراق وسوريا، وصولاً إلى حرب ناغورنو كاراباخ الثانية عام 2020، أن المسيرات قادرة على إرباك الخصوم وتجاوز الدفاعات التقليدية.
أمريكا تدرس تزويد أوكرانيا بصواريخ "توماهوك" - موقع 24قال جيه.دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، الأحد، إن الولايات المتحدة تدرس طلب أوكرانيا الحصول على صواريخ توماهوك بعيدة المدى، لدعم جهودها في صد الغزو الروسي.
ونقلت مجلة "نيوزويك" عن الباحث كير جايلز، كبير الخبراء في الشؤون العسكرية الروسية بمعهد تشاتام هاوس البريطاني، أن الناتو "فوجئ بمدى تطور الهجمات بالطائرات المسيرة، وما زال يسابق الزمن لسد الفجوة".
وأضاف جايلز أن "ما حدث في بولندا ليس سوى جزء بسيط مما تواجهه أوكرانيا يومياً، ومع ذلك لم تُطوّر بعض دول الناتو أنظمة دفاع جوي فعّالة لمواجهة هذه التهديدات".
حوادث بولندا والدنمارك والنرويج
تابع التحليل أن بولندا كانت في صدارة الدول المتضررة، حيث اخترقت نحو 21 طائرة مسيّرة أجواءها قادمة من بيلاروسيا وأوكرانيا، وسط اتهامات مباشرة لموسكو. وقد دفعت هذه التطورات وارسو إلى تفعيل المادة الرابعة من ميثاق الناتو لطلب التشاور الطارئ.
أما الدنمارك، فقد شهدت تعطيلاً متكرراً في أكبر مطاراتها بسبب تحليق مسيّرات مجهولة المصدر، ما جعلها تفكر أيضاً في اللجوء للمادة الرابعة. وفي الوقت ذاته، أطلق الناتو مناورات "الحارس الشرقي" بالتزامن مع تدريبات "زاباد 25" المشتركة بين روسيا وبيلاروسيا، في إشارة إلى سباق رسائل القوة بين الطرفين.
الحرب في أوكرانيا عند مفترق نفطي حاسم - موقع 24يرى الكاتب والمحلل الإيطالي فرانشيسكو سيسي، أن الحرب في أوكرانيا تدخل مرحلة جديدة قد تغيّر مسارها بشكل جذري، مع تكثيف كييف هجماتها على البنية التحتية النفطية الروسية.
التحدي أمام الناتو.. تكلفة الردع
أوضح التحليل أن التهديد لا يكمن فقط في الخرق الأمني، بل في معادلة "رخيص مقابل مكلف". ونقلت "نيوزويك" عن الباحث دانييل بايمان من جامعة جورجتاون قوله: "إن إطلاق عشرات المسيّرات لا يكلف روسيا الكثير، لكن إسقاطها يتطلب من الناتو أنظمة دفاعية باهظة الثمن".
من جهته، قال الخبير جيمس روجرز، المدير التنفيذي لمعهد بروكس، إن روسيا "تستخدم هذه المسيّرات لتجربة دفاعات الناتو، ورسم خرائط لردود أفعاله، وكشف مواطن ضعفه، وكل ذلك من دون أن تصل الأمور إلى حد تفعيل المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي".
وأضاف التحليل أن خطوات الناتو حتى الآن تحمل قيمة رمزية أكثر من كونها رداً عملياً. فقد أكد الأكاديمي ساندور فابيان، المسؤول السابق في قيادة العمليات الخاصة بالحلف، أن "رد الناتو يبعث رسالة واضحة لموسكو، لكنه لا يغير موازين القوى ميدانياً".
بتحوّله تجاه أوكرانيا.. هل يغسل ترامب يديه من الحرب؟ - موقع 24بعد 8 أشهر من ولايته الثانية، أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريح حول أوكرانيا، بدا مشابهاً بشكل غامض للتصريحات التي اعتاد سلفه، الرئيس جو بايدن، على إطلاقها، كما تشير صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير جديد.
وتابع فابيان في تصريحه لـ "نيوزويك" أن أهداف موسكو قد لا تكون استراتيجية بحتة، بل مجرد "إثارة الفوضى، وإرباك الخصوم، ومن ثم إدارة النتائج بحسب الظروف"، مضيفاً: "ليس كل ما تقوم به روسيا يستند إلى خطة مدروسة بدقة، أحياناً يكون الهدف فقط خلق حالة من الارتباك".
وأشار التحليل إلى أن هذه الأحداث دفعت بعض العواصم الغربية إلى إعادة التفكير في مواقفها. فقد بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر حدة في تصريحاته الأخيرة، ملمحاً إلى أن أوكرانيا قادرة على استعادة أراضيها من روسيا، وهو تحول لافت مقارنة بتصريحاته السابقة التي تحدثت عن "تسوية سياسية".
وهذا التحول، بحسب مراقبين، قد يفتح الباب أمام دعم أوكراني أوسع، ما يزيد الضغط على موسكو ويضع الصين وإيران وفنزويلا أمام خيارات صعبة في إعادة صياغة تحالفاتها.
الناتو أمام اختبار مصيري
خلص التحليل إلى أن حوادث الطائرات المسيّرة ليست مجرد خروقات محدودة، بل مؤشر على مرحلة جديدة من "حرب الظل" بين روسيا والناتو، وبينما تسعى موسكو إلى استنزاف الحلف بتكلفة منخفضة، يجد الأخير نفسه أمام تحدٍ وجودي: إما تعزيز قدراته الدفاعية بسرعة، أو مواجهة تهديدات متزايدة قد تقوّض وحدة أعضائه.