نشرت الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف الإماراتية عبر موقعها الإلكتروني، خطبة الجمعة الموحدة لليوم 18 يوليو (تموز)- 20 من رمضان، تحت عنوان "العشر الأواخر".

وتناولت الخطبة الأولى لصلاة الجمعة، فضل العشر الأواخر وسبل العبادة فيها، فيما ذكر فضل ليلة القدر في الخطبة الثانية، وفيما يلي نص الخطبة:

الحمد لله الذي خص شهر رمضان، بالفضل والإحسان، والعفو والغفران، والعتق من النيران، وأنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الفضل والإنعام، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، القائل صلى الله عليه وسلم : "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: "فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل وأحثكم على طاعته، قال عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)".

أيها المسلمون: "قال الله تعالى:( وربك يخلق ما يشاء ويختار) ومما اختص الله عز وجل به من أزمنة البركة والإحسان، واختاره من الأوقات للفضل والغفران، شهر رمضان، فهو أسمى مواسم الإيمان، وأكرمها عند الكريم المنان، ثم خص منه العشر الأواخر، لتكون أفضل الأيام على مر الأزمان، وميزها بفضائل ممدودة، ونفحات مشهودة، ليزداد فيها الطائعون، ويستكثر منها المحسنون، وليستدرك فيها المقصرون، قال عليه الصلاة والسلام: رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له".

فاستعدوا أيها الصائمون لوعد الله الذي وعدكم به من المغفرة والثواب العظيم في هذه الأيام المباركة، فاجتهدوا فيها بالطاعات، وأكثروا من فعل الخيرات، فالمسلم بين أجلين: أجل قد مضى لا يدري ما الله فاعل فيه، وأجل باق لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ المرء من نفسه لنفسه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر الأواخر من شهر رمضان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيره.

نعم فهي ليال كريمات يشمر فيها المؤمنون، ويتنافس فيها المتنافسون، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر وشمر. بل كان عليه الصلاة والسلام يجمع أهله فيهن للطاعات، ويحثهم على فعل القربات، فعن عائشة رضى الله عنها قالت : كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.

قال أحد العلماء: "أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. فاحرص أيها الصائم على أن تصلي التراويح، ليكتب لك في ليلتك أجر القيام".

أيها الصائمون: لقد آذن شهر رمضان بالرحيل، وقاربت أيامه على الانتهاء, ولياليه على الوداع، ولقد كان السابقون الأولون يعزي بعضهم بعضا لفراق شهر الخير والرحمة، لما فيه من فضل عميم وجود كريم، كيف لا وفي ثناياها حبانا الله تعالى بليلة القدر، تلك الليلة المباركة التي شهدت نزول آيات القرآن، قال تعالى:( إنا أنزلناه في ليلة مباركة) ويا لها من ليلة، إنها الليلة التي جعل الله سبحانه أجرها خيرا من ألف شهر، وأذن لجبريل عليه السلام بالنزول فيها مع الملائكة المكرمين، قال تعالى في كتابه المبين:( إنا أنزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خير من ألف شهر* تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر* سلام هي حتى مطلع الفجر) وجاء في تفسيرها: تهبط من كل سماء، ومن سدرة المنتهى، ومسكن جبريل على وسطها، فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس، إلى وقت طلوع الفجر.

وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها في العشر الأواخر من رمضان ، فقال صلى الله عليه وسلم :«تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» ومن وفق لقيامها فهو مرحوم ، ومن أعرض عنها فهو محروم، فالعمل فيها خير من العمل في ألف شهر، قال صلى الله عليه وسلم:« لله فيه- أي في رمضان- ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم ».

فسارع يا عبد الله إلى ربك فقم له بالليل ساجدا، واطلب مغفرته بالدعاء خاشعا عابدا، ولا تركنوا إلى ليلة دون سواها، فأنت لا تعلم في أيهن ليلة القدر، ولهذا قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت ليلة لاقتصر الناس عليها.
فقوموا أيها الصائمون الليالي كلها تظفروا بمرادكم، فمن خاف مقام ربه أمن الملاذ وبلغ المنزلة، قال صلى الله عليه وسلم :« من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة».

فاللهم بارك لنا في العشر الأواخر، واجعلنا ممن يشهدون ليلة القدر، وهب لنا من كل فضل وخير، ووفقنا جميعا لطاعتك وطاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وطاعة من أمرتنا بطاعته, عملا بقولك:( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن ليلة القدر ليلة أمن وإيمان وسلم وسلام، لا يجوز فيها القطيعة والخصام، قال تعالى:( سلام هي حتى مطلع الفجر) فطهروا قلوبكم من درن الغل والشحناء، والحسد والبغضاء، لتتهيأ نفوسكم لاستقبال خيرات تلك الليلة وبركاتها، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين- أي تنازعا وتخاصما- فقال: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت- أي فنسيت تعيينها- وعسى أن يكون خيرا لكم".

واشتغلوا يا عباد الله فيها بالذكر والدعاء، فقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبى الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: "تقولين اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال تعالى:(إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا".