قال ديفيد كيريتشينكو، الباحث في مؤسسة هنري جاكسون البريطانية، والمتخصص في قضايا الحروب الحديثة، وألكسندر ج. موتيل، أستاذ العلوم السياسية في جامعة روتجرز الأمريكية، إن الاقتصاد الروسي، الذي بدا لسنوات محصناً ضد آثار حرب فلاديمير بوتين في أوكرانيا، بدأ أخيراً يتعرض لهزات عنيفة نتيجة العقوبات الغربية، والهجمات الأوكرانية المتصاعدة بالطائرات المسيرة.
وأضاف الكاتبان في مجلة "ناشيونال انترست" أن موسكو تواجه أزمة وقودٍ حادة تهدد ركائز اقتصادها النفطي، فيما تتراجع مؤشرات النمو وتتصاعد ملامح الانهيار المالي في دولة اعتمدت على "اقتصاد الحرب" للحفاظ على استقرارها الداخلي.
من "نمر ورقي" إلى أزمة وقود
وأوضح الكاتبان أن الأزمة الراهنة بدت ملامحها في سبتمبر الماضي عندما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب روسيا بأنها "نمر من ورق"، مشيراً إلى نقص متزايد في الوقود والطاقة داخل روسيا نفسها. وأضاف الكاتبان أن الإعلام الروسي، الذي يخضع عادة لرقابة مشددة، اضطر للاعتراف بالأزمة قائلاً "لم يعد ممكناً إنكار وجود نقص حاد في البنزين بمناطق عدة".
وأشار الكاتبان إلى أن هذه التطورات كشفت تصدع الصورة التي حاول بوتين تكريسها عن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، بينما يزداد الضغط الشعبي في الداخل الروسي مع دخول الحرب عامها الرابع.
الضربات الأوكرانية تغير معادلة الحرب
وقالا إن أوكرانيا طورت على مدى العامين الماضيين قدراتها الهجومية بالطائرات المسيرة لتضرب العمق الروسي بدقة متزايدة. وأوضح أن كييف تستهدف بدقة مطارات ومستودعات أسلحة ومنشآت نفطية، انطلاقاً من قناعة عسكرية مفادها أن "المال هو النقطة الأضعف في جسد روسيا"، لأن خسارة العائدات النفطية تضر الدولة والأوليغارشية وتمول الحرب في آن واحد.
وأضافا أن طائرة "إف بي -1" المسيّرة الرخيصة الثمن (55 ألف دولار فقط) تنفذ نحو 60% من الهجمات العميقة داخل روسيا لمسافات تصل إلى 1500 كيلومتر، وأن إنتاجها تجاوز 100 طائرة يومياً. كما أدخلت أوكرانيا صواريخ "نيبتون" المعدلة محلياً وصواريخ "فلامينغو" المجنحة، في إشارة إلى تصاعد قدرات التصنيع العسكري الأوكراني رغم الحصار والضغوط.
وتابع الكاتبان أن هجوماً بطائرة مسيرة على مصفاة تيومين النفطية، الواقعة على بعد نحو ألفي كيلومتر من أوكرانيا، شكل تحولاً نوعياً في مدى الضربات الأوكرانية التي أصبحت تضرب أعماق الاقتصاد الروسي.
وقود نادر وأسواق سوداء
وأضاف الكاتبان أن نقص الوقود في روسيا بلغ حداً جعل السلطات تفرض تقنيناً في البيع وتستورد البنزين من بيلاروسيا. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول)، تأثرت38% من طاقة التكرير الروسية، فيما تواجه أكثر من عشرين منطقة نقصاً حاداً في الوقود. وأوضح الكاتبان أن الأزمة بلغت درجة أن بعض سكان القرم المحتلة يلجأون لسرقة الوقود من السيارات المتوقفة، وأن السوق السوداء تشهد ازدهاراً كبيراً.
وقالا إن صادرات النفط الروسية تراجعت أيضاً نتيجة العقوبات وقدم الحقول النفطية، مشيراً إلى أن احتياطي روسيا النفطي سيصبح مكلفاً وصعب الاستخراج بحلول 2030، وفقاً لتحذيرات صحيفة "وول ستريت جورنال".
عجز متفاقم وضغوط مالية خانقة
وأوضح الكاتبان أن ميزانية روسيا دخلت مرحلة العجز العميق، إذ بلغ العجز حتى يوليو (تموز) 2025 نحو 61 مليار دولار، متجاوزاً الهدف السنوي في 7 أشهر فقط، مع توقع ارتفاعه إلى 70 مليار دولار العام المقبل.
وأضاف الكاتبان أن الحكومة الروسية رفعت ضريبة القيمة المضافة من 20 إلى 22% وفرضت ضرائب جديدة على الشركات الصغيرة لتعويض النقص في الإيرادات، فيما انخفضت توزيعات أرباح الشركات الكبرى مثل "غازبروم" و"سيفرستال" بنسبة تفوق النصف.
وتابعا أن الاستثمارات تتراجع، والنمو الاقتصادي شبه متوقف، إذ لم يتجاوز نمو الناتج المحلي 0.4% في يوليو (تموز) مقارنة بالعام السابق، في حين يواصل التضخم ارتفاعه، ما ينذر بدخول البلاد مرحلة “ركود تضخمي” طويل الأمد.
الاقتصاد العسكري
وأشار الكاتبان إلى أن بوتين أعاد توجيه الاقتصاد الروسي نحو المجهود الحربي، عبر تمويل الصناعات العسكرية وتجاهل القطاعات المدنية، مستعيناً بسياسات البنك المركزي التي "لم تعد قادرة على تحقيق المعجزات".
وأضافا أن هذا التحول خلق اقتصاداً مختلاً يستفيد منه فئة محدودة من رجال الأعمال المقربين من الكرملين، بينما يتراجع مستوى معيشة معظم الروس. ونقل الكاتبان عن الخبيرين الروسيين المنشقين فلاديمير ميلوف وإيغور ليبسيتس قولهما إن الاقتصاد الروسي "يقترب من حافة الانهيار"، وإن النظام الحاكم "يلقي بأعباء الأزمة على الفقراء والمتقاعدين".
بين الألم والانهيار
وقال الكاتبان إن الأزمة الاقتصادية وحدها لن تجبر موسكو بالضرورة على وقف الحرب، لكنها قد تمهد لانهيار أعمق يشبه تفكك الاتحاد السوفييتي. وأضاف أن بوتين يدرك أن إنهاء الحرب يعني نهايته السياسية، إذ ربط مصيره شخصياً بنتائجها. وتابع الكاتبان أن روسيا تقف الآن أمام خيارين كلاهما مؤلم: إما انتحار اقتصادي للدولة، أو انتحار سياسي لبوتين نفسه.
سقوط الإمبراطورية من الداخل
وختما بالقول إن الحل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد الروسي هو إنهاء الحرب مع أوكرانيا، غير أن ذلك الخيار يبدو مستحيلاً في ظل النظام الحالي. وأضاف الكاتبان أن روسيا تشهد اليوم مزيجاً قاتلاً من العقوبات، والإنهاك العسكري، والانكماش المالي، ما يجعلها أقرب من أي وقت مضى إلى مصير الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي.