يسعى مسؤولو الاتحاد الأوروبي إلى منح أوكرانيا قرضاً ضخماً مدعوماً بالأصول الروسية المجمّدة، لكنهم أجّلوا اتخاذ قرار حاسم بشأن هذه الخطة حتى شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وكان الاتحاد الأوروبي يسابق الزمن لوضع خطة تضمن استمرار تدفق الأموال والأسلحة إلى أوكرانيا، في وقت بات فيه الدعم الأمريكي موضع شك، بينما تتسع حاجات كييف بشكل هائل، بحسب تقرير تحليلي لصحيفة "نيويورك تايمز".
ولكن في اجتماع أمس الخميس، لم تظهر أي ملامح لحل سريع. ففي بروكسل، حاول قادة الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المضي قدماً بخطة جديدة محفوفة بالمخاطر، تقضي باستخدام الأصول الروسية المجمّدة كضمان لقرض بقيمة 140 مليار يورو (163 مليار دولار) لصالح أوكرانيا.
غير أن القادة أجّلوا عملياً اتخاذ قرار واضح بشأن القرض، حتى اجتماعهم في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، في إشارة إلى أن العملية قد تستغرق وقتاً أطول، وهو ما يشكل خبراً مقلقاً لأوكرانيا التي تحتاج إلى الأموال على وجه السرعة.
وفي ما يلي أبرز النقاط المتعلقة بهذه الخطة:
ما الذي يجري؟
تتمحور الفكرة حول الأصول الروسية التي جُمّدت منذ أن شنّت موسكو غزوها الشامل لأوكرانيا في عام 2022.
وكانت المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد، قد طرحت بالفعل تصوراً أولياً يوضح كيفية استخدام تلك الأموال كضمان للحصول على قرض. وكان المسؤولون يأملون أن يحصلوا في قمة بروكسل، على تفويض سياسي واضح يمكّن المفوضية من البدء في وضع الأساس القانوني لمقترح رسمي.
ولكن القادة واجهوا صعوبة في التوصل إلى اتفاق سياسي، بعد أن أعربت بلجيكا التي تستضيف معظم الأصول الروسية المجمّدة، عن مخاوف قانونية ومالية عاجلة لم يمكن تجاوزها بسهولة.

وفي البيان الختامي لاجتماعهم، تعهد قادة الاتحاد الأوروبي بالعمل على تلبية الاحتياجات المالية لأوكرانيا لعامي 2026 و2027، ودعوا المفوضية إلى استكشاف "خيارات" لتقديم هذا الدعم.
وبينما لا يُغلق هذا الباب أمام استخدام الأصول الروسية المجمّدة، إلا أنه لم يكن التأييد الصريح الذي كان كثير من المسؤولين يتوقعونه.
من جانبه، أقرّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال مؤتمر صحافي في بروكسل أمس الخميس، بأن المحادثات حول الخطة كانت "ربما غير بسيطة".
وأما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، فقالت في مؤتمر صحافي لاحق، إن "الهدف لا يزال التركيز على خطة تشمل الأصول الروسية المجمّدة"، مضيفة "لقد اتفقنا على الـ(ماذا) أي القرض التعويضي، والآن علينا أن نعمل على الـ(كيف)".
أين توجد هذه الأموال؟
والجزء الأكبر من الأصول الروسية الحكومية المجمّدة، مودع في مؤسسة يوروكلير المالية في بلجيكا. ويحوّل الاتحاد الأوروبي بالفعل لأوكرانيا الفوائد المتحققة من تلك الودائع، والتي بلغت نحو 8 مليارات دولار العام الماضي.
وبموجب الخطة الجديدة، ستنقل "يوروكلير" عملياً السيطرة على هذه الأموال المجمّدة إلى الاتحاد الأوروبي، ليستخدمها كضمان للقرض الضخم الذي سيُمنح لأوكرانيا، على أن تُسدد كييف المبلغ فقط في حال حصلت مستقبلاً على تعويضات من روسيا.
ويؤكد مسؤولو الاتحاد الأوروبي أن هذا الإجراء قانوني لأن الأموال لن تُصادَر، بل ستُستخدم كضمان مؤقت، ما يعني أن روسيا قد تستعيدها في المستقبل. لكن المتحدث باسم الكرملين وصف الخطوة بأنها "سرقة"، فيما حذرت موسكو من أنها قد تلاحق قضائياً الأفراد والدول المشاركة في تنفيذها.
ما مدى خطورة الخطة؟
وتُعدّ هذه الخطوة مغامرة سياسية ومالية بكل المقاييس، سواء بسبب احتمال الانتقام الروسي، أو لأنها قد تضرّ بسمعة أوروبا كملاذ آمن للأصول الأجنبية.
وبما أن بلجيكا تستضيف مؤسسة "يوروكلير"، فإنها تخشى أن تتحمل العبء الأكبر من أي تبعات قانونية أو مالية، وقد شددت على ضرورة توزيع المخاطر بالتساوي بين الدول الأعضاء.
وقال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر: "إذا كنا سنقوم بهذه الخطوة، فعلينا أن نقوم بها جميعاً. لا يمكن أن تقع العواقب على بلجيكا وحدها". وأضاف أنه "في حال لم تُوزع المخاطر بالشكل الكافي، فسأفعل كل ما بوسعي على المستويين الأوروبي والوطني، سياسياً وقانونياً، لوقف هذا القرار".
تراجع الدعم الأمريكي
وحذر منتقدون من أن استخدام الأصول الروسية قد يدفع دولاً أخرى، مثل الصين والهند، إلى التردد في إيداع احتياطاتها في المصارف الأوروبية، خوفاً من تجميدها أو استخدامها مستقبلاً إذا ساءت علاقاتها مع أوروبا.
ورغم ذلك، يدافع مسؤولو الاتحاد الأوروبي عن الخطة، فيما يرى مسؤولو المفوضية الأوروبية أن هذه المخاوف غير مبررة. وقالت وزيرة الخارجية الأوروبية كايا كالاس خلال زيارة إلى كييف: "إذا لم تبدأ حرباً ضد دولة أخرى، فلن تكون أصولك في خطر".
وأكدت كالاس، التي ناقشت مع زيلينسكي احتياجات بلاده المالية الملحّة، أن الحرب المستمرة تجعل من الضروري إيجاد مصادر تمويل جديدة لأوكرانيا، التي تواجه عجزاً كبيراً في الموازنة وتكاليف ضخمة نتيجة استمرار القتال.

وتكمن المشكلة الكبرى بحسب الصحيفة، في أن الدعم الأمريكي تراجع بشدة. فمنذ عام 2022 وحتى أواخر عام 2024، خصصت إدارة الرئيس جو بايدن نحو 174 مليار دولار لأوكرانيا، لكن مع تولّي الرئيس دونالد ترامب، تراجع حجم المساعدات العسكرية الأمريكية هذا العام بشكل حاد، وفق معهد "كيل" الألماني، بل توقفت تقريباً في الأشهر الأخيرة.
وأما الدول الأوروبية، فعلى الرغم من مساهماتها الكبيرة، إلا أن قيود ميزانياتها تجعل من الصعب عليها سد الفجوة التي تركها تراجع الدعم الأمريكي.
ولهذا يُنظر إلى القرض المدعوم بالأصول الروسية، كخيار يمكن أن يعوّض النقص في التمويل، إذا ما تمكّن الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى اتفاق حوله. لكن لا توجد حالياً بدائل واضحة أمام أوروبا إذا فشلت الخطة.

أسئلة بلا إجابات
وحتى إذا مضت الخطة قدماً، لا يزال من غير الواضح كيف ستُستخدم الأموال تحديداً، بحسب التقرير. فبعض الدول، خصوصاً ألمانيا، ترى أن القرض يجب أن يُخصص لشراء الأسلحة، بينما يقترح زيلينسكي أن يُستخدم أيضاً لتغطية النفقات الحكومية الأخرى.
كما لا تزال التفاصيل العملية غير محسومة: هل ستقدّم الدول الأعضاء ضمانات لطمأنة بلجيكا؟، وكيف ستُبنى هذه الضمانات؟، وهل ستشارك جميع دول الاتحاد الـ 27 في تحمّل المخاطر؟.

وتطالب بلجيكا بأن تحظى الخطة بدعم من مجموعة السبع، لكن من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستوافق على ذلك.
وعلاوة على ذلك، تحتاج المفوضية الأوروبية إلى خطة قانونية تضمن بقاء الأصول الروسية مجمّدة لفترة طويلة، إذ إن تجديد التجميد حالياً يتم بشكل دوري، وقد يؤدي رفض دولة مثل المجر المقرّبة من موسكو، إلى تعطيل القرض بأكمله إذا امتنعت عن التصويت على تمديد التجميد.