أنهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جولته الآسيوية التي استمرت 6 أيام، مروّجاً لسلسلة من صفقات التجارة والاستثمارات الجديدة في الولايات المتحدة، لكن فور عودته إلى واشنطن، استبدلت حفلات الاستقبال الفخمة في الخارج، بواقع داخلي متوتر يتمثل في إغلاق حكومي مستمر، وتزايد قلق الناخبين بشأن الاقتصاد.
وحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، يعكس هذا التباين السبب وراء تركيز ترامب المتزايد في ولايته الثانية على السياسة الخارجية؛ ففي الخارج، تُعقد الاجتماعات في قصور فخمة وتُعلن الصفقات بشكل شبه يومي. بينما يتعامل الرئيس مع وزراء يبتسمون بدلاً من مشرّعين عابسين في واشنطن، حيث يعاني من تراجع في شعبيته وصدام مع الديمقراطيين، أدى إلى إغلاق حكومي دخل شهره الأول وسط ارتفاع تكاليف التأمين الصحي لملايين الأمريكيين.
وأثناء عودته على متن طائرته الرئاسية، كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي: "عملت بجهد على مدار الساعة، وجلبت تريليونات الدولارات، ثم قال تشاك شومر إن الرحلة كانت فاشلة تماماً، رغم أنه يعلم أنها كانت نجاحاً مذهلاً. كلمات كهذه تكاد تكون خيانة".

صانع السلام
ووفق الصحيفة، يرى مساعدو ترامب أن الساحة الدولية تتيح له الظهور كصانع صفقات وصانع سلام، وهي الصورة التي يأمل أن تشكل إرثه السياسي.
وأشار أحد مسؤولي الإدارة، إلى أن التاريخ يتذكر الزعماء الذين يحققون إنجازات عالمية أكثر ممن ينجزون إصلاحات داخلية مؤقتة، مضيفاً أن "قليلين يتذكرون ما فعله رونالد ريغان في ملف الرعاية الصحية، لكن الجميع يتذكرون دعوته لهدم جدار برلين".
وفي كوريا الجنوبية، قال ترامب إنه سيعمل مع سيوؤل وبيونغ يانغ لإنهاء النزاع المستمر منذ 75 عاماً بين الكوريتين، مضيفاً للرئيس الكوري لي جاي ميونغ: "هناك غيمة فوق بلدكم، وسنعمل على تبديدها قريباً".
انتقاد ديمقراطي
ومن جهة أخرى، انتقد الديمقراطيون ترامب لمغادرته واشنطن خلال فترة الإغلاق الحكومي، لكن البيت الأبيض دافع عن الرحلة، مؤكداً أن الرئيس استغلها لتأمين اتفاقات تعود بالنفع على الاقتصاد الأمريكي.
وقالت المتحدثة آنا كيلي: "بينما يتخبط الديمقراطيون، يواصل الرئيس ترامب تحقيق إنجازات تاريخية لبلدنا، ويجد في الوقت نفسه طرقاً مبتكرة لدعم قواتنا المسلحة، والتخفيف من معاناة الأمريكيين الناتجة عن أولويات اليسار المتطرف".
ويحمّل ترامب الديمقراطيين مسؤولية الإغلاق، رافضاً الاجتماع بهم قبل إقرارهم تمويلاً حكومياً جديداً، ويتوقع مشرّعون من الحزبين استئناف المحادثات مع تزايد الأضرار الاقتصادية، خصوصاً مع اقتراب انتهاء صلاحية دعم التأمين الصحي المعزز نهاية العام.

اتفاقيات غامضة
بدوره، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت لقناة "فوكس بزنس": "الفرق واضح، الرئيس ترامب يعود من آسيا ومعه استثمارات قد تصل إلى تريليوني دولار، بينما قرر الديمقراطيون إبقاء الحكومة مغلقة، لأسباب تتعلق باستطلاعاتهم أو لأسباب لا أحد يعرفها".
ويؤكد ترامب أن الصفقات التجارية والاستثمارات الأجنبية، تساهم في تعزيز السوق ودعم الطبقة المتوسطة. ومن أبرز الأمثلة تعهد الصين بشراء كميات كبيرة من فول الصويا الأمريكي، بعد لقائه بالرئيس الصيني شي جين بينغ.
ولكن محللين يرون أن بعض هذه الاتفاقات، ما زالت غامضة أو تحتاج سنوات لتتحقق فعلياً، ولن تقدم حلولاً فورية لأزمة تكاليف المعيشة. فبرغم الأداء القوي للأسواق المالية واستقرار النشاط الاقتصادي، إلا أن نمو الوظائف تباطأ، والتضخم استمر في رفع الأسعار، ما جعل السكن والغذاء والكهرباء عبئاً على الأسر الأمريكية.
الضغوط تتصاعد لإنهاء ثاني أطول إغلاق حكومي في تاريخ أمريكا - موقع 24تزايدت الضغوط هذا الأسبوع على الكونغرس الأمريكي، لإنهاء ثاني أطول إغلاق حكومي في تاريخ البلاد، مع اقتراب ملايين الأمريكيين من فقدان مساعداتهم الغذائية، وحرمان مزيد من الموظفين الفيدراليين من رواتبهم الكاملة لأول مرة، وتكرار تأجيل الرحلات الجوية في مطارات البلاد.
دعوة لمفاوضات رسمية
وكشف استطلاع أجرته وكالة "رويترز/إبسوس" هذا الأسبوع، أن 63% من الأمريكيين أعربوا عن عدم رضاهم من طريقة تعامل ترامب مع أزمة غلاء المعيشة، وهو مؤشر قد ينعكس سلباً على الجمهوريين في انتخابات منتصف الولاية المقبلة.
وفي ظل استمرار الإغلاق، تواجه برامج الدعم الاجتماعي الأساسية خطر النفاد، منها برامج "Head Start" للأطفال من الأسر الفقيرة، وبرنامج المساعدات الغذائية "SNAP" الذي يغطي أكثر من 40 مليون أمريكي، والذي حذّر المستفيدين من توقف المخصصات بدءاً من الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ودعا الديمقراطيون ترامب إلى مفاوضات رسمية لإنهاء الإغلاق، حيث قال زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز: "دونالد ترامب أمضى وقتاً أطول في التحدث إلى حركة حماس والحزب الشيوعي الصيني، مما قضاه في التحدث إلى الديمقراطيين في الكونغرس لإنهاء إغلاق حكومته".

حرب أوكرانيا
وأشار محللون للصحيفة، إلى أن الرؤساء في ولايتهم الثانية غالباً ما يركزون على السياسة الخارجية، إذ يصعب عليهم تمرير إصلاحات داخلية كبرى، كما يرون في إنجازاتهم الدولية وسيلة لترسيخ إرثهم التاريخي.
ويعتبر ترامب أن التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في أوكرانيا، سيكون محطة مفصلية في إرثه السياسي، بعد نجاحه في التوسط لوقف إطلاق النار في غزة، خطوة فاجأت حتى بعض خصومه.
وخلال لقائه الرئيس الصيني شي في بوسان، أمس الخميس، أثار ترامب ملف أوكرانيا، قائلاً للصحفيين: "سنعمل معاً لنرى ما إذا كان بإمكاننا تحقيق شيء ملموس".

ولكن دبلوماسيين سابقين حذروا من الثقة المفرطة ببكين. وقال نيكولاس بيرنز، السفير الأمريكي لدى الصين في عهد بايدن: "الصينيون لم يكونوا صادقين بشأن موقفهم من الحرب الأوكرانية، إنهم ليسوا محايدين كما يدّعون، بل يقفون إلى جانب بوتين بوضوح".
ورغم العراقيل التي تواجهه في مساعيه لإنهاء الحرب، يبدو أن ترامب مصمم على توسيع دوره كوسيط عالمي للسلام، إذ قال خلال توقيع اتفاق سلام بين تايلاند وكمبوديا في ماليزيا: "لا أريد أن أسميها هواية لأنها أكثر جدية من ذلك، لكنها شيء أجيده وأحبه كثيراً".