في سابقة منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، استقبل البيت الأبيض الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي قاتل القوات الأمريكية في العراق وسوريان سابقاً. ومثل اللقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحولاً جذرياً في مسار العلاقات بين البلدين، التي اتسمت بالعداء والقطيعة طيلة عقود.
وعقب لقائه في واشنطن، كانت للشرع مقابلة مطوّلة مع مراسلتي صحيفة "واشنطن بوست"، سوزانا جورج، رئيسة مكتب الصحيفة في منطقة الخليج، وتوبي راجي، مراسلة الشؤون الدولية، تحدث خلالها بصراحة عن أهداف زيارته، والمفاوضات مع واشنطن وتل أبيب، ومستقبل بلاده بعد الحرب، وعلاقته المعقدة مع موسكو.
إعادة بناء الجسور
قال الرئيس الشرع في مستهل المقابلة إن الهدف الأبرز من زيارته إلى الولايات المتحدة هو إطلاق صفحة جديدة بين دمشق وواشنطن بعد مئة عام من التوتر وسوء الفهم، مشيراً إلى أنه لمس من إدارة ترامب رغبة صادقة في بناء مصالح مشتركة تتركز على الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية. وأوضح الشرع أن استقرار سوريا هو شرط لاستقرار المنطقة بأكملها، وأن العقوبات الأمريكية المفروضة منذ سنوات تشل الاقتصاد السوري وتمنع مشاريع الإعمار، مؤكداً أن رفعها سيكون الخطوة الأولى في طريق التعاون. وأشار إلى أن المفاوضات حول العقوبات مستمرة منذ أشهر، وتحقق فيها تقدم ملموس، بانتظار القرار النهائي من البيت الأبيض.
جرح يوحد الأمهات
وفي أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين، تناول الشرع قضية الصحافي الأمريكي المفقود أوستن تايس، الذي اختفى في سوريا في 2012. وأكد أن حكومته أنشأت لجنة خاصة بالتعاون مع السلطات الأمريكية للبحث عن المفقودين، الذين يقدر عددهم بنحو 250 ألفاً، بينهم سوريون وأجانب. وقال الشرع: "التقيت والدة أوستن تايس، وهي امرأة عظيمة. عرّفتها على والدتي التي مرت بالتجربة ذاتها حين اختفيت أنا شخصياً سبع سنوات وظن الجميع أنني قُتلت. وحدها والدتي آمنت بعودتي". وأضاف أن دمشق أفرجت عن أحد الأمريكيين فور سيطرة الحكومة الجديدة على العاصمة وسلّمته إلى السلطات الأمريكية احتراماً للالتزامات الإنسانية.
انتقادات
ورداً على تساؤلات بعض أعضاء الكونغرس الذين يعارضون تخفيف العقوبات بدعوى أن الرئيس السوري قاتل الأمريكيين سابقاً، قال الشرع، إن القتال ليس عملاً مخجلاً إذا كان من أجل هدف نبيل، كالدفاع عن الأرض والمظلومين، مؤكداً أنه شارك في حروب كثيرة، لكنه لم يتسبب يوماً في مقتل أبرياء. وأضاف أن السياسات الغربية الخاطئة في الشرق الأوسط هي التي أشعلت الكثير من النزاعات العبثية، لافتاً النظر إلى أن كثيراً من الأميركيين باتوا يعترفون اليوم بهذه الأخطاء.
سوريا في طور التعافي
اعترف الشرع بأن سوريا لاتزال تمر بمرحلة انتقالية بالغة التعقيد بعد ستة عقود من الحكم الدكتاتوري وسنوات الحرب المدمّرة، مؤكداً أن إعادة بناء مؤسسات الدولة تحتاج إلى وقت وصبر. وشبّه الوضع بما شهدته الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية، قائلاً: لم تستعد أمريكا استقرارها خلال عام واحد، بل احتاجت سنوات طويلة. وأوضح أن بعض المجموعات تحاول استغلال الانقسامات الطائفية لتحقيق مكاسب سياسية أو انفصالية، لكنه شدد على أن سوريا ستبقى بلد التنوع، وقد عاشت طوائفها جنباً إلى جنب منذ 1400 عام.
دمج وتوحيد القيادة
وعن الوضع الأمني في شرق البلاد، قال الشرع إن سوريا خاضت حرباً ضد تنظيم داعش لعشر سنوات، دون دعم غربي، وأصبحت اليوم قادرة على تحمل مسؤولية حماية أراضيها. وأشار إلى أن الحل الأمثل يكمن في إشراف مؤقت من القوات الأمريكية على عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية، ضمن أجهزة الدولة، بحيث تعود مسؤولية حماية الأراضي السورية إلى الجيش الوطني، مؤكداً أن استمرار وجود قوات خارج سلطة الدولة يوفر البيئة المثالية لعودة داعش.
وفي تحول دبلوماسي لافت، كشف الرئيس السوري أن بلاده تخوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية. وقال إن تل أبيب انتهكت اتفاق فك الاشتباك في 1974 بعد سقوط النظام السابق، وطردت قوات الأمم المتحدة، واحتلت أراض جديدة، ونفذت أكثر من ألف غارة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، استهدفت القصر الجمهوري ووزارة الدفاع. وأوضح أنه رغم هذه الهجمات لم ترد دمشق عسكرياً لأنها تضع أولوية لإعادة البناء. وأكد أن التوسع الإسرائيلي ليس نابعاً من مخاوف أمنية، بل من طموحات توسعية، مشدداً على أن أي اتفاق نهائي يتطلب انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل 8 ديسمبر(كانون الأول).كما رفض الشرع فكرة إنشاء منطقة منزوعة السلاح جنوب دمشق، معتبراً أنها تمس بالسيادة السورية وتخلق فراغاً أمنياً قد يستغله آخرون.
علاقة معقدة مع موسكو
وعن العلاقة مع روسيا، أوضح الشرع أن بلاده تخوض مرحلة جديدة من التوازن الدبلوماسي بعد حرب استمرت عشر سنوات بين الطرفين. وأشار إلى أن النظام السابق لا يزال يقيم في موسكو، تحت حماية روسية، مضيفاً أن الملف يسبب إزعاجاً للكرملين، لكنه أكد أن سوريا ستواصل المطالبة بمحاكمة بشار الأسد في الوقت المناسب. وقال الشرع: "نحتاج روسيا لأنها عضو دائم في مجلس الأمن، ولدينا مصالح استراتيجية مشتركة، لكننا لن نتخلى عن حقنا في العدالة".
وتبدو تصريحات أحمد الشرع مؤشراً على نهاية مرحلة وبداية أخرى في تاريخ سوريا الحديث. فالرجل الذي قاتل الأمريكيين يوماً يجلس اليوم في البيت الأبيض متحدثاً عن شراكة ومصالح مشتركة. وبينما يسعى إلى إعادة بلاده إلى الخارطة الدولية، لا يخفي حجم التحديات التي تواجهه، من إعادة الإعمار، إلى استعادة السيادة، إلى الموازنة بين القوى الإقليمية المتنافسة. لكن ما خرج به من واشنطن يوحي، حسب مراقبين، بأن صفحة جديدة قد فُتحت بالفعل صفحة عنوانها البراغماتية بدل المواجهة، والتحالفات المتقاطعة بدل المحاور المغلقة.