بعد سقوط أول امطار الخريف التي اجتاحت قطاع غزة هذا العام، قضت أمل أبو حسن، النازحة في مدينة غزة مع أطفالها الأربعة، ليلة عصيبة، لا تنسى بعدما غمرت المياه خيمتهم وأغرقت أرضها وأثاثها البسيط.
وتقول أمل، 32 عاماً، وملابسها مبللة: "طيلة ساعات الليل حاولت تفريغ المياه المتدفقة إلى الخيمة، فيما انشغلت بين وقت وآخر بنقل أطفالي بين أرجائها لحمايتهم من مياه المطر والسيول التي بدأت التسلل فجأة". وتضيف "لكن جميع محاولاتي باءت بالفشل، مياه الأمطار كانت تتسرب من كل مكان، والفراش أصبح مبللا، والأطفال يبكون من البرد والخوف". وما زاد الطين بلة على أمل، اشتداد الرياح، ما أثار مخاوفها من انهيار الخيمة فوق رؤوسهم. وتوضح "لم أعرف أين سنذهب ولا ماذا سنفعل. فلا مأوى لدينا ولا منزل ولا حياة ولا أي شيء"، مضيفةً "نحن وحدنا نواجه تبعات الحرب الإسرائيلية الكارثية، والتي يبدو أنها لن تنتهي قريباً". وأشارت أمل إلى أنها "تقف عاجزة أمام قوة الطبيعة"، وتتابع "هذا أول مطر خريف على غزة، ونحن بالفعل نكافح للحفاظ على حياتنا. الخيام لا توفر أي حماية، مجرد شادر رقيق". وتستطرد "نريد فقط أن نحمي أطفالنا من المطر والبرد، لكن لا أحد يسأل عنا. تخيلوا ما سيحدث عند حلول الشتاء الحقيقي، خاصة مع غياب أي أفق لإعادة الإعمار وغياب مؤشرات على بداية المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار"، قالت ذلك بصوت يملؤه القلق.
ويأتي هذا المنخفض الجوي في وقت ما تزال فيه غزة تتأرجح تحت وطأة آثار حرب واسعة النطاق شنتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، استمرت ما يقارب العامين، مخلفة دماراً هائلاً وخسائر بشرية مأساوية.
أما السكان الغزيين، فإن هطول الأمطار وتدفق الفيضانات، وغرق الخيام فهو ليست مجرد حادث طبيعي عندهم، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المعاناة، المستمرة منذ الحرب.
ويقول أحمد الخطيب، 45 عاماً، وهو صاحب متجر في خان يونس جنوب قطاع غزة، إنه عاش تجربة مماثلة لأمل.ويضيف "المطر دمر كل ما نملك. أثاثنا أصبح مبللا وغير صالح للاستخدام"، موضحا أنه لم يجد وأطفاله الخمسة مكاناً جافاً للنوم. ويتابع: "كل دقيقة تمر تزيد من شعورنا بالعجز". ويقول: "هذا المطر الأول يكشف هشاشة حياتنا، فماذا سنفعل حين يأتي الشتاء بالكامل؟ وكيف سنواجهه دون أي إعادة إعمار أو تأهيل للطرق والمباني المدمرة؟". ويشير الخطيب إلى أن تراكم المياه والطين في الشوارع جعل التنقل شبه مستحيل، وأعاق وصول فرق الإغاثة، ما ترك السكان يواجهون الفيضانات بمفردهم. كما غمرت المياه الركام الذي يغلق العديد من الطرق، وسقطت أعمدة كهرباء متهالكة، مهددة حياة المارة.
أما فاطمة المصري، 28 عاماً، من دير البلح وسط قطاع غزة، فكانت معاناتها أشد، خاصة بعد غرق خيمتها، وفقدان بعض ممتلكاتها القليلة، بسبب السيول. وتقول بصوت متعب: "الأمطار والسيول دمرت خيمتنا ولم نستطع حتى السيطرة على الوضع"، مضيفة "شعرت كما لو أن أطفالي سيغرقون، فبدأت بحملهم ونقلهم إلى مكان آخر، لكننا لم نجد سوى العراء، والسماء، التي لم تتوقف عن المطر". وتضيف "نحن نعيش في ظروف مأساوية ونخشى أن تستمر حياتنا هكذا لسنوات طويلة دون دعم ودون مأوى آمن". وتستطرد: "كنت أظن أنه بعد توقف الحرب ستنتهي معاناتنا، لكننا اليوم نعيش معاناة أخرى، وهي التعايش مع آثار الحرب الكارثية، دون أي أمل حقيقي في النجاة".
وتتواصل أصوات السيول والمياه الجارية في المخيمات طوال الليل، متداخلة مع صراخ الأطفال وبكاء الأهالي، في مشهد يبعث على الخوف، ويجعل الليل الطويل أقرب إلى كابوس لا نهاية له. ويشير السكان إلى أن معظم الطرق الرئيسة والفرعية غمرتها المياه، وأن تراكم الحطام، وتهدم الجسور الصغيرة يعوق حركة فرق الطوارئ والإغاثة، ويجعل الوصول إلى المناطق المتضررة بالغ الصعوبة.
من جانبه، قال محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة:" تلقينا آلاف النداءات العاجلة، لكن إمكانياتنا محدودة للغاية".وأضاف "كل ثانية في مثل هذه الأجواء تعرض حياة السكان للخطر، خاصةً وأن المنازل المتشققة والمتداعية معرضة للانهيار. وتضررت آلاف خيام النازحين بسبب الفيضانات. الوضع كارثي، ونحتاج لما لا يقل عن 450 ألف خيمة لتأمين الحماية الأساسية للنازحين".
وأضاف أن استمرار الأمطار سيزيد حدة الأزمة الإنسانية، مشدداً على أن الظروف المعيشية الحالية ترفع خطر انتشار الأمراض التنفسية، والمعدية، نتيجة الرطوبة، والفيضانات في المخيمات، والمناطق المتضررة.