المجزرة، بغض النظر عن حجمها أو سياقها، تمثل مأساة إنسانية عميقة لا يمكن تبريرها أو تجاهلها تحت أي ظرف. فدماء البشر ليست أرقاماً إحصائية يتم بثّها في نشرات الأخبار، وليست صوراً عابرة تُعرض على شاشات التلفاز لتُنسى سريعاً. إنها قبل ذلك كله شهادات حية على معاناة الضحايا وأسرهم، وتذكير دائم بفشل المجتمع الدولي في حماية الحياة البشرية.

ومع ذلك، ما يثير القلق الأكبر في عصرنا الحالي ليس فقط وقوع مثل هذه المجازر، بل الطريقة التي يتعامل بها الإعلام معها. غالباً ما يسارع الإعلام إلى إطلاق أحكام سريعة، يعتمد على يقين غير مبرر في تفسير الصور والروايات، ويفتقر إلى التدقيق المهني الذي يُفترض أن يكون أساس العمل الصحفي. هذا السلوك لا يقتصر على نقل الأحداث، بل يساهم في تشكيل الرأي العام بطريقة قد تخدم أجندات سياسية أو أيديولوجية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول دور الإعلام كحارس للحقيقة أم كأداة للدعاية.

في حالة مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور في السودان، التي شهدت أحداثاً دامية خلال عام 2025، يبرز هذا التعامل الإعلامي بوضوح. خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أفادت تقارير متعددة عن وقوع مجزرة ارتكبتها قوات الدعم السريع، حيث قُتل أكثر من ألفي شخص في المدينة بعد حصار دام 500 يوم. على سبيل المثال، وصفت منظمات الإغاثة الهجوم بأنه "مجزرة"، مع قصف لمسجد ومخيم نازحين، وتعذيب للمدنيين. كما أكدت تقارير من BBC أن المقاتلين احتفلوا بالهجوم الذي أدى إلى مقتل آلاف، مع بناء حاجز رملي حول المدينة وقطع الإمدادات. ومع ذلك، فإن بعض وسائل الإعلام تعاملت مع الصور المتداولة والروايات كأدلة قاطعة دون التحقق الكافي من مصادرها، مما أدى إلى بناء سرديات كاملة تُقدم كحقائق نهائية.

هذا يثير تساؤلاً مشروعاً: هل ينقل الإعلام الخبر بحيادية، أم يصنع رواية تتناسب مع مصالح أطراف معينة؟ في هذا السياق، أشارت تقارير إلى هجمات عرقية استهدفت المدنيين بناءً على انتمائهم القبلي ولون بشرتهم، مما دفع منظمات حقوقية إلى وصف الأحداث بـ"مجازر"، بينما يصف خبراء الأمم المتحدة ما يجري في السودان ككارثة إنسانية. على الرغم من ذلك، فإن التغطية الإعلامية كانت انتقائية، حيث تجاهلت بعض الوسائل السياق التاريخي للصراع في دارفور، الذي يعود إلى تمرد عام 2003 ضد نظام عمر البشير، مما يعكس كيف يمكن للإعلام أن يركز على جوانب معينة لتعزيز سردية محددة.

الزمن وحده سيكشف حقيقة ما جرى في الفاشر. ولكن، هذه الانتقائية الإعلامية ليست مقتصرة على الفاشر، بل تمتد إلى سجل طويل من الحالات التي أظهر فيها الإعلام تحيزاً واضحاً. على سبيل المثال، في سوريا، تجاهلت وسائل الإعلام العربية والدولية لعقود مجازر موثقة ارتكبها نظام حافظ الأسد وابنه بشار، مثل مجزرة حماة عام 1982 التي قتل فيها عشرات الآلاف، بسبب عدم وجود مصلحة دولية في فضحها آنذاك. كما أن الرواية الإعلامية حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل في عام 2003، والتي روجتها وسائل إعلام غربية مثل نيويورك تايمز وفوكس نيوز، كانت مبنية على أكاذيب استخدمت لتبرير غزو دمر البلاد بالكامل، مما أدى إلى مقتل مئات الآلاف وتفكك البنية التحتية. في أفغانستان، صُورت التدخلات العسكرية الأمريكية كحرب ضد الإرهاب، رغم أن الحقائق على الأرض كشفت عن تعقيدات أكبر تشمل فساداً وانتهاكات حقوقية، مع تجاهل الإعلام للآثار الطويلة الأمد مثل نزوح الملايين. هذه الأمثلة تكشف أن الإعلام غالباً ما يعمل كأداة لإعادة تشكيل الواقع بما يخدم مصالح القوى الكبرى، كما حدث في تغطية حرب أوكرانيا منذ 2022، حيث ركز الإعلام الغربي على الجانب الروسي فقط، بينما تجاهل الانتهاكات في غزة، حيث قُتل عشرات الآلاف منذ أكتوبر(تشرين الأول) 2023 دون تغطية متوازنة.

لا يوجد أي مبرر للعنف، سواء كان موجهاً ضد الحيوانات أو البشر، فهو يتنافى مع أبسط المبادئ الأخلاقية. ومع ذلك، فإن هذا الموقف الأخلاقي لا يلغي الحاجة إلى التساؤل عن مصداقية الإعلام وحياده. عندما يتعامل الإعلام مع صور غير مؤكدة أو روايات غير مكتملة ويحولها إلى حقائق مطلقة، فإنه يساهم في تضليل الرأي العام ويضعف القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية.

منذ الحرب الباردة، كان الإعلام أداة مركزية في الصراعات السياسية، كما في حملة "أسلحة الدمار الشامل" في العراق، التي روجتها وسائل إعلام مثل CNN رغم غياب الأدلة، مما فتح الباب لغزو أدى إلى فوضى مستمرة. في سوريا، تم تجاهل مجازر لعقود بسبب المصالح الجيوسياسية، وفي أفغانستان، جرى تصوير الانسحاب الأمريكي عام 2021 كفشل، دون التركيز على الانتهاكات الأمريكية السابقة. هذه الحالات تظهر كيف يتخلى الإعلام عن دوره كسلطة رابعة ليصبح أداة في يد السلطات السياسية.

أحدث الأمثلة على أزمة المصداقية الإعلامية جاء من هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في نوفمبر(تشرين الثاني) 2025. اضطرت الهيئة إلى مواجهة فضيحة تحرير مقاطع من خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل مضلل في برنامج وثائقي بعنوان "Panorama"، مما أثار عاصفة من الانتقادات حول التحيز السياسي والتلاعب بالمحتوى. تحت ضغط داخلي وخارجي، أعلن المدير العام تيم ديفي استقالته، كما استقالت رئيسة الأخبار ديبورا تورنيس، بعد أن أكدت التحقيقات أن التحرير كان "مضللاً" وأدى إلى تشويه السياق. هذه الأزمة كشفت أن حتى المؤسسات العريقة التي اعتبرت معياراً للحياد ليست محصنة من الانزلاق إلى التلاعب، خاصة تحت الضغوط السياسية، وأدت إلى تهديد ترامب بمقاضاة BBC بمبلغ يصل إلى 5 مليارات دولار. الاستشهاد بهذه الحادثة يوضح أن أزمة الإعلام عالمية، وتتجاوز العالم العربي لتشمل مؤسسات غربية مرموقة.

النتيجة الطبيعية لهذا السلوك هي أزمة ثقة عميقة بين الجمهور ووسائل الإعلام. عندما يتكرر التضليل وتُستخدم الصور كأدوات دعائية، يصعب على المواطن التمييز بين الحقيقة والافتراء. هذه الأزمة ظاهرة عالمية، حيث تراجعت مصداقية الإعلام التقليدي أمام صعود المنصات الرقمية مثل تويتر (إكس) وفيسبوك، التي أصبحت بدورها عرضة للشائعات والمعلومات المضللة. على سبيل المثال، في أزمة الفاشر، انتشرت صور وفيديوهات على وسائل التواصل دون التحقق، مما أدى إلى تضخيم الروايات أو تشويهها، كما حدث في تغطية حرب غزة حيث استخدمت المنصات لنشر دعاية من الجانبين.

المجزرة، مهما كان حجمها، تستدعي موقفاً أخلاقياً قبل أن تكون خبراً صحافياً. لكن الإعلام، عندما يخلط بين الأخلاق والسياسة، يفقد قدرته على أداء دوره المهني. المطلوب هو التحقق من الصور والبيانات، وضعها في سياقها، وتقديمها بموضوعية. الإعلام الذي يسارع إلى الأحكام دون تدقيق يساهم في صناعة الكراهية والانقسام، محولاً المأساة إلى مادة استهلاكية سياسية.

في مواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى إعلام مسؤول يوازن بين سرعة النقل ودقة التحقق، بين التعاطف مع الضحايا والالتزام بالحياد، بين كشف الحقائق وتجنب الدعاية. مثل هذا الإعلام لا يبرر العنف، لكنه لا يستغل المأساة لتصفية حسابات. كما يدرك أن كل صورة تحمل حياة إنسان، وكل كلمة قد تُستخدم لتبرير حرب أو إيقافها. ومع ذلك، المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده، الجمهور مطالب بزيادة الوعي، والتعامل مع الأخبار بحذر، والتأكد من مصادرها. عندما يطالب الجمهور بالحقائق ويحاسب الإعلام على أخطائه، يصبح بناء علاقة متوازنة ممكناً.

ما يحدث في الفاشر، أو في أي مدينة أخرى، جزء من مشهد عالمي يتداخل فيه السياسة والإعلام والإنسانية. المجزرة تستحق الإدانة، لكن طريقة تناولها إعلامياً تحدد رد الفعل العالمي. أزمة BBC الأخيرة تؤكد أن الإعلام، عند فقدان حياده، يصبح أداة تضليل. وبين الحقيقة والدعاية، يظل السؤال مفتوحاً: هل يمكن للإعلام استعادة مصداقيته، أم سيبقى أسيراً للسياسة؟