اختتمت مؤخراً فعالية "ليالي الفن"، التي أقيمت في مركز دبي المالي العالمي في نسختها العشرين، حيث شارك في الفعالية أكثر من 200 عمل فني قدّمها 150 فنانًا من أكثر من 100 جنسية.
وجمعت الأمسيات نخبة من رواد الفكر والمجتمع في أجواء نابضة بالفن عبر تجارب بصرية، وفنون عامة، وحوارات ملهمة تحتفي بالإبداع والثقافة تحت سماء دبي، أكّدت الفعالية، بتنوعها وحضورها الواسع، الدور الريادي للمركز في إثراء المشهد الفني والثقافي في الإمارات عامة، وفي دبي خاصة.
ومن ضمن الفنانات المشاركات في "ليالي الفن" نورة الناصر، وهي فنانة تشكيلية سعودية تقدّم أعمالًا تستند إلى التجريد العاطفي والرمزية النفسية، وتوظّف من خلالها اللون والخط بحثًا عن الإنسان وهواجسه الداخلية، وفي لوحاتها تتجاور الأسئلة الوجودية، لتعكس حالات من الصراع، والتقبّل، والبحث عن الذات.
حملت أعمال نورة الناصر طابعًا روحيًا، حيث تكشف في طياتها عن تجربة شخصية عميقة توازن بين هشاشة الروح وقوتها، وتستحضر في كثير من أعمالها عبارات تحمل مدلولًا روحيًا، لتربط الفن بالطمأنينة، والذاكرة بالمعنى، والذات بمراحل تشكّلها المختلفة
وتتميز أعمالها بطابع لوني جريء يُبرز الانفعالات بوضوح، إلى جانب خطوط متشابكة وتكوينات رمزية تمنح كل لوحة مساحة واسعة للتأويل، وتتيح للمتلقي قراءة وجدانية خاصة به.
وعبر مشاركتها في "ليال الفن"، قدمت الناصر حضورا لافتاً في المشهد الفني، من خلال أسلوب بصري يجمع بين التجريد والرمزية والكتابة، ويحوَل اللوحة إلى مساحة حوار بين الفنانة وذاتها أولاً، ثم بينها وبين الجمهور ثانياً.

وفي تصريح خاص لـ24 قالت نورة الناصر: "شاركتُ مؤخراً في معرض ArtnightsDubai بنسخته العشرين، والذي أقيم لمدة 4 أيام في مركز دبي المالي العالمي، كانت هذه التجربة من أهم المحطات في مسيرتي الفنية حتى الآن. فقد حملت لي هذه المشاركة الكثير من الإلهام، وأسهمت في توسيع آفاقي، ودفعتني للتأمل بعمق في رحلتي مع الفن".
وأضافت: "كانت سعادتي كبيرة بوجودي بين فنانين من دول مختلفة، فالتنوع في أساليبهم ورؤاهم وسّع مداركي، وجعلني أرى الفن بصورة أكثر عالمية، كما زاد من تقديري لأعمالي، بعد أن أدركت فرادة كل تجربة فنية ولغة كل فنان"
وذكرت: "هذه المشاركة منحتني دافعاً قوياً للاستمرار في المشاركة بالمعارض الدولية، وأكدت لي أهمية أن أكون جزءاً من هذا المشهد العالمي المتنامي. أصبحت أكثر رغبة في تمثيل بلدي السعودية في محافل فنية دولية، وأن أُعرّف بجمال الفن المحلي وثقافته".
وتابعت نورة الناصر: "أكثر ما لامسني في المعرض كان تفاعل الجمهور مع لوحاتي؛ كنت أراقب وجوههم وانفعالاتهم وأسعد بأسئلتهم ووقوفهم الطويل أمام أعمالي، مما جعلني أؤمن مجدداً بأن الفن رسالة تصل إلى القلب قبل العين، ويمكن أن يمنح نوعاً من التشافي دون أن نشعر. كما شعرت بامتنان كبير لمشاركتي في معرض اتسم بتنظيم احترافي وحضور واعٍ ومهتم بالفن، وهو أمر ليس بغريب على مدينة مثل دبي التي اعتادت احتضان الإبداع ودعمه".
وأردفت: "أغادر هذا المعرض محملة بالشغف ذاته الذي بدأت به، ولكن بخبرة أعمق ورؤية أوسع. كانت تجربة ثرية تستحق أن تُروى، وستبقى خطوة مهمة تدفعني نحو مزيد من المشاركات التي تعبر عن شغفي بالفن ورسالته الإنسانية".
وإلى جانب أعمالها التجريدية والرمزية، تعمل الناصر على تطوير أساليب فنية تتفاعل مع ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي، وتحوّلها إلى مساحة إبداعية، فقد أنجزت عدة لوحات عربية باستخدام أدوات بسيطة متوفرة في كل منزل؛ إحداهما صنعتها بفرشاة أسنان، والأخرى بأحمر الشفاه.
ومن خلال هذه التجارب، تؤكد نورة الناصر أن الفن ليس حكرًا على الأدوات الاحترافية، ولا على الفنانين التقليديين، بل يمكن لأي شخص أن يترك أثرًا بصريًا إيجابيًا باستخدام أبسط الإمكانيات، وبهذا الأسلوب تمزج بين الفن والاتجاهات الرائجة، محاوِلةً تقديم محتوى يُلهم الجمهور ويشجعهم على التعبير الإبداعي .
ومن ضمن التوجّه الذي تعتمد فيه نورة الناصر على تحويل "الترندات" إلى مساحة فنية ملهمة، قدّمت لوحة "كليجة" مستخدمةً أحمر الشفاه كأداة للرسم، فيما جاء اختيارها لكلمة "كليجة" الحلوى الشعبية الشهيرة في منطقة القصيم، ليجسّد ارتباطها بالهوية السعودية ورغبتها في إبراز عناصر من الثقافة المحلية بأسلوب فني معاصر، ولاقت اللوحة تفاعلًا واسعًا لما حملته من مزج بين البساطة والابتكار، وبين الفن والذاكرة الشعبية، مقدّمةً مثالًا على كيفية تحويل الأدوات المنزلية و"الترندات" إلى قوة إبداعية ذات أثر إيجابي.
أما اللوحة الأخرى فهي لوحة "أطمح لارتكاب المزيد من الأخطاء"، التي تقدم فيها الناصر دعوة صريحة لتقبّل الذات، وتحرير العملية الإبداعية من الخوف، والنظر إلى الخطأ باعتباره مساحة للتجربة والنمو، لا قيدًا يحدّ من التعبير الفني أو التطور الشخصي.
وفي تعليقها حول هذه اللوحة تقول الناصر: "لا أستطيع حصر الفرص التي فقدتها في حياتي بسبب هوسي بالكمال، من الذي أرعبني من ارتكاب الأخطاء؟ ولأجل من أمنع نفسي من التحرر من الذات المثالية المزعجة؟، ولماذا اقترن تقديري وحبي لذاتي بمعدل مثاليتي؟.
كنت أستطيع التقدم في حياتي بشكلٍ أسرع وأفضل لولا هذه "الفوبيا"، بالتأكيد كنتُ سأتمكن من إنتاج ونشر محتوى إبداعي ومميز أكثر، كنتُ سأحقق المزيد من الأحلام في حياتي الخاصة، كنتُ سأحلق، لم يكن لي يدٌ في زراعة هذا المرض في داخلي، ولكنني أملكُ القدرةَ على التخلص منه، وها أنذا أبدأ الرحلة".