قال المحلل السياسي الدكتور سمير بوري، يبدو أن الجهد الدبلوماسي الأمريكي الأخير لإنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا قد تعثر الآن. ولكن من المهم استنباط حقائق مهمة عن بعض الفجوات التي يصعب سدها بين المواقف التفاوضية الروسية والأوكرانية، ومن بينها السيطرة على منطقة دونباس، التي تشير أساساً إلى منطقتي دونيتسك ولوغانسك الأوكرانيتين.
وقال بوري مدير مركز الحوكمة والأمن العالمي في معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، أي المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية في تقرير نشره المعهد، إن روسيا تحتل بالكامل تقريباً لوغانسك، ولكن دونيتسك لا تزال مقسمة بين روسيا وأوكرانيا، وهى مسرح قتال ضار متواصل .
وأطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هجومه الواسع في فبراير (شباط) 2022 للاستيلاء بالكامل على منطقة دونباس، لكن القوات المسلحة الروسية لا تزال تكافح لتحقيق ذلك الهدف، ولكنها حقق مكاسب تدريجياً، ولا يزال هذا مصدر إحباط لبوتين، الذي أعلن بشكل غير قانوني، ضم دونيتسك ولوغانسك في سبتمبر (أيلول) 2023، إضافة إلى منطقتي خيرسون وزبروجيا اللتين تحتلهما روسيا إلى حد كبير. وفي دونباس، لم يتمكن بوتين حتى الآن من ترجمة أقواله إلى انجازات عسكرية .
بوتين: سنسيطر على دونباس عسكرياً أو بوسائل أخرى - موقع 24قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يجري زيارة رسمية إلى هند، إن موسكو ستسيطر على منطقة دونباس الأوكرانية "عسكرياً أو بوسائل أخرى"، متمسكاً بأحد مطالبه الرئيسية، في الوقت الذي يستعد فيه المسؤولون الأوكرانيون لمزيد من محادثات السلام التي لم تسفر عن اتفاق بعد.
وعكست خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولية لإنهاء الحرب هدفاً رئيسياً للحرب الروسية في هذا الصدد، لأنها نصت على انسحاب القوات الأوكرانية طوعاً من الأجزاء التي تحتلها في دونباس. وتعارض حكومة أوكرانيا بشدة التنازل عن الأجزاء التي لا تزال تسيطر عليها لروسيا، لسبب وجيه وهو أن أوكرانيا دافعت عن هذه المناطق بثمن باهظ منذ غزو روسيا المحدود في 2014.
وإضافة إلى ذلك، لا تزال مدن دونيتسك، بما فيها كراماتورسك وسلوفيانسك، أجزاء رئيسية فيما يطلق عليه "حزام الحصن" للدفاعات الأوكرانية. وفي حال سقوطها في يد روسيا أو التنازل عنها، هناك مخاوف من امكانية تسارع وتيرة التقدم الروسي، وربما يضارع التقدم الذي أحرزته القوات الروسية حديثاً في أماكن أخرى على خط المواجهة، على سبيل المثال، التقدم السريع نسبياً نحو مدينة هوليايبول في منطقة زبروجيا.
في دونيتسك..موسكو: طائرات روسية دون طيار تدمر نقطة انتشار أوكرانية مؤقتة - موقع 24قصفت طائرات دون طيار لقوات مجموعة "الجنوب" الروسية نقطة انتشار مؤقتة تضم جنوداً من القوات الأوكرانية في بلدة كونستانتينوفكا، في "جمهورية دونيتسك الشعبية" وفق التسمية الروسية.
وفي الوقت الحالي، يبدو أن وسيلة لسد الهوة بين هذه المواقف المتعارضة، مثلما وجد مفاوضو ترامب من خلال قيامهم أولًا بمواءمة نهجهم مع روسيا في الخطة المكونة من 28 نقطة، ثم تعديلها لتعكس المخاوف الأوكرانية والأوروبية، ثم الفشل في التوصل إلى اتفاق خلال زيارة الوفد الأمريكي لموسكو للتفاوض عليها.
ولم تشهد هذه الجولة من المحادثات اجتماعاً مباشراً بين الجانبين الروسي والأوكراني. ولكن طالما أنه ليس هناك اتفاق على ما الذي يتعين عمله في منطقة دونباس، فلن تكون هناك فائدة من ذلك، وهو ما من شأنه أي يؤدي إلى طرح السؤال عن المدة الزمنية التي ستظل فيها دونباس مسألة متنازع عليها عصية على الحل.
وأرغمت أوكرانيا على تقبل فكرة أن من غير المرجح أن تستعيد بالكامل الأجزاء التي تحتلها روسيا من أراضيها حالياً. في ما يعد قبولاً بالواقع العسكري. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه بمجرد توقف القتال، ستسعى أوكرانيا على الصعيد الدبلوماسي لاستعادة السيطرة على الأراضي التي خسرتها. لكن هذا أيضاً يبدو جزءاً من تقبل واقع صعب. والحقيقة أنه يبدو من المرجح إدراج تقسيم أوكرانيا في الواقع، حتى في أفضل سيناريوهات إنهاء القتال. وبالتالي، فإن هناك حاجة ليبدأ حلفاء أوكرانيا الأوروبيون في الاستعداد لهذا الواقع. وعليهم الرجوع إلى التاريخ. حيث أن مثل هذه الظروف ، من غزو وضم غير معترف به، حدثت من قبل.
وعلى سبيل المثال، نجح غزو تركيا لقبرص في 1974 في السيطرة على نحو 36% من الجزيرة، ما أدى إلى رسم خط تقسيم لا يزال قائماً إلى اليوم منذ. واستطاعت جمهورية قبرص، المعترف بها دبلوماسياً، تحقيق الازدهار رغم التقسيم. ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ضعف أو أكثر من نظيره في الجزء التركي "جمهورية شمال قبرص التركية".
وانضمت قبرص إلى الاتحاد الأوروبي في 2004 ، وستتولى رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي للمرة الثانية في 2026 وهناك خطط طموحة لربط الجزيرة بشبكة الطاقة الأوروبية، عبر خط كهرباء رئيسي تحت سطح البحر. والأمر الأكثر أهمية هو أن المجتمع الدولي صاغ العديد من البدائل لإدارة الحقائق الصعبة لتقسيم الأراضي مع الشمال.
وهذا لا يعني الإشارة إلى أن قبرص تقدم نموذجاً لتطبيقه على دونباس، على ضوء خصائص الغزو الروسي لأوكرانيا. فكل حرب فريدة في طبيعتها، وربما تكون هناك حاجة لصيغة دبلوماسية فريدة لإدارة قضية دونباس. لكن دروس قبرص يمكن أن تساعد في فهم الكيفية التي تدعم أوكرانيا بها للتعافي رغم آثار التقسيم، بينما تدار حقائق الواقع الصعب بسبب استمرار تقسيم الأراضي.
وحتى الآن، لا توجد أي إشارة على أن بوتين يرغب في قبول شي آخر غير الاجتياح العسكري لمنطقة دونيتسك بأكملها. وعلى أساس المعدل الحالي للتقدم العسكري، والدفاعات الصلبة في أوكرانيا، فإن هذه الحملة العسكرية يمكن أن تمتد إلى العام المقبل. وليس هناك أيضاً ضمانة بتوقف الهجوم الروسي في أوكرانيا، إذا استولت موسكو على منطقة دونيتسك بأكملها، وعندما يحدث ذلك، في ضوء هدف الحرب التوسعية التي تشنها روسيا، وهو أن تحط من قدر السيادة الأوكرانية.
مع ذلك، لا يجب التقليل من شأن خصوصية غزو كامل منطقة دونباس هدفاً رئيسياً لهذه الحرب الروسية من بين عدة أهداف أخرى. ومع افتراض تعثر الجهد الدبلوماسي الحالي، وتواصل القتال، فإن مركزية دونباس العنصر الرئيسي للتوصل إلى حل لهذه الحرب، بطريقة أو بأخرى، ستظل قائمة .