في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في إيران، رأت مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية أن التراجع المتزامن للنظام الإيراني على المستويين الداخلي والخارجي خلق فرصة نادرة للتغيير، ربما تتحول إلى منعطف تاريخي إذا ما اقترنت بقرارات أمريكية سريعة وحاسمة.

وفي تحليل للتطورات الأخيرة، أوضحت المجلة أن الاحتجاجات المستمرة تأتي في توقيت يبدو فيه النظام الإيراني أكثر إنهاكاً وهشاشة مما كان عليه في أي مرحلة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، بفعل أزمات داخلية عميقة وضغوط خارجية غير مسبوقة.

انهيار حكم المرشد

وأكدت "ذا أتلانتيك" أن هذا الواقع جعل احتمال انهيار حكم المرشد الأعلى علي خامنئي ينتقل من إطار الطرح النظري إلى إمكانية واقعية.

واستشهد التحليل بمقطع مصوّر من احتجاجات المدن الإيرانية، وفيه يظهر امرأة في منتصف العمر ووجهها مغطّى بالدماء، تسير إلى جانب متظاهرين وهي تصرخ "لا أخاف منكم، ومنذ 47 عاماً وأنا ميتة". واعتبرت المجلة أن هذه العبارة تختصر شعوراً عاماً لدى قطاع واسع من المحتجين، شعب يرى نفسه، بعد ما يقرب من نصف قرن من الحكم الديني، على أعتاب ولادة وطنية جديدة.

كيف ينشر خامنئي على "إكس" رغم انقطاع الإنترنت؟ - موقع 24يواصل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي النشر على منصة "إكس"، رغم استمرار انقطاع خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية في العاصمة طهران وعدد من المدن الإيرانية منذ يوم الخميس، على خلفية الاحتجاجات المتواصلة في البلاد.

وأشار التقرير إلى أن إيران شهدت خلال العقدين الماضيين موجات احتجاج واسعة، من الحركة الخضراء عام 2009، إلى احتجاجات البنزين عام 2019، وصولًا إلى انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022. ورغم أن هذه التحركات قوبلت بقمع عنيف، فإن ما يميز احتجاجات اليوم هو سياقها الاستثنائي، إذ يواجه النظام في الوقت ذاته أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة وضغطاً خارجياً متصاعداً.

ولفتت "ذا أتلانتيك" إلى أن النظام الإيراني تعرض خلال رئاسة دونالد ترامب لعقوبات قاسية وضغوط دبلوماسية مكثفة، وصلت إلى مواجهة عسكرية مباشرة، من بينها مشاركة الولايات المتحدة في المرحلة النهائية من الضربات الإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية في يونيو (حزيران) 2025، ما أدى إلى إضعاف كبير في الأسس الاقتصادية والأمنية للنظام.

ومع ذلك، حذّرت المجلة من الافتراض بأن هذا التراجع سيؤدي تلقائياً إلى سقوط النظام، مؤكدة أن طهران أظهرت مراراً استعدادها لاستخدام عنف واسع النطاق من أجل البقاء.

الضغط الأمريكي

وشدد التحليل على أن سياسة "الضغط الأقصى" لن تُفضي إلى تغيير حقيقي ما لم تُرفق بـ "دعم أقصى" للاحتجاجات الداخلية، معتبراً أن نزول ملايين الإيرانيين إلى الشوارع يتيح إمكانية التغيير دون تكرار سيناريوهات التدخل العسكري المكلفة كما حدث في العراق وأفغانستان.

ودعت المجلة الولايات المتحدة إلى تجنب خطوات قد تخدم دعاية النظام الإيراني، مثل التقليل من شأن الاحتجاجات أو إعادة فتح مسارات تفاوضية تتيح للنظام شراء الوقت.

الحرس الثوري الإيراني يهدد بقمع الاحتجاجات - موقع 24قال الحرس الثوري الإيراني، اليوم السبت، إن الحفاظ على الأمن يُعد "خطاً أحمر"، مؤكداً التزام الجيش بحماية الممتلكات العامة، في وقت تكثّف فيه المؤسسة الدينية جهودها لاحتواء وقمع أكبر موجة احتجاجات تشهدها إيران منذ سنوات.

وبحسب "ذا أتلانتيك"، فإن الرسائل الواضحة الداعمة للشعب الإيراني، إلى جانب التحذيرات الصريحة للنظام من مغبة القمع، تسهم في تقويض الخوف وتعزيز معنويات المحتجين. كما شددت على ضرورة تشديد الضغط الاقتصادي، مشيرة إلى أن قطاع الطاقة يمثل الشريان الرئيس لتمويل أجهزة القمع.

وفي ختام تحليلها، خلصت المجلة إلى أنه حتى لو خفتت موجة الاحتجاجات الحالية، فإن الأزمات البنيوية غير المحلولة ستظل قائمة، مؤكدة أن كل احتجاج جديد في إيران يبدأ من حيث توقفت الموجة السابقة، ما يجعل الانفجار المقبل مسألة وقت لا أكثر.