في الوقت الذي ساد فيه قدر من الارتياح بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن "إطار تفاهم" حول غرينلاند وتراجعه المؤقت عن التهديد بفرض رسوم جمركية على أوروبا، تحذّر محللة أمريكية من أن هذا الهدوء لا ينبغي الخلط بينه وبين حل فعلي للأزمة. فالسعي الأمريكي للسيطرة على غرينلاند، حتى بعد التخفيف الخطابي في منتدى دافوس، عمّق شكوك أوروبا في واشنطن، وفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية واستراتيجية قد تتجاوز بكثير قيمة الجزيرة القطبية نفسها.
أزمة ثقة لا مجرّد خلاف سياسي
قالت الكاتبة مارثا ميلر، زميلة أولى لشؤون التحالفات والتهديدات الناشئة في مركز المصلحة الوطنية الأميركي، في تحليل بموقع "ناشونال إنترست"، إن رد الفعل الأولي على إعلان ترامب كان مزيجاً من الارتياح وتهدئة الأسواق وتريّث الحلفاء الأوروبيين، لكن هذا التوقف المؤقت لا يعني نهاية الأزمة ولا عودة الأمور إلى ما كانت عليه.
وأضافت أن مجرد السعي الأميركي وراء غرينلاند عزّز المخاوف الأوروبية من أن الولايات المتحدة لم تعد شريكاً يمكن الوثوق به، حتى عندما تحاول التراجع التكتيكي عن مواقفها المتشددة.
وتابعت الكاتبة التي عملت مساعدة خاصة للرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، أن مفاهيم مثل ثقة الحلفاء والمصداقية ليست شعارات إنشائية، بل هي عناصر عملية تحدد ما إذا كان الحلفاء سيتقاسمون معلومات استخباراتية حساسة، ويخزّنون قوات أميركية على أراضيهم، ويتحملون كلفة سياسية داخلية دعماً لسياسات واشنطن، أو أنهم سيسعون للتحوّط ضد ما يرونه تقلباً أميركياً في المواقف.
غرينلاند بين المكاسب الأمنية والكلفة الاقتصادية
وأوضحت ميلر أن الرئيس ترامب قد يكون خلص إلى أن الفوائد الاستراتيجية للسيطرة على غرينلاند تفوق الكلفة المعنوية المترتبة على تقويض الثقة بحلف الناتو، أو أنه يراهن على أن النفوذ الأميركي كافٍ لإجبار الحلفاء على القبول بالأمر الواقع.
لكنها أضافت أن السؤال الجوهري هو ما إذا كانت واشنطن قد قيّمت بدقة حجم الضرر الاقتصادي المحتمل لهذا المسار، إذ إن الخيار العملي قد لا يكون بين امتلاك غرينلاند أو البقاء في الناتو، بل بين استراتيجية تُضعف الثقة داخل التحالف، واستقرار اقتصادي يعتمد أساساً على تلك الثقة.
وتابعت الكاتبة أن أوروبا تمثل أكبر سوق تصدير للولايات المتحدة، وأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر فيها، وحائزاً لتريليونات الدولارات من الأصول الأميركية، وأن هذه الدرجة من التشابك الاقتصادي لم تكن ممكنة لولا افتراض متبادل بعدم استخدام هذه الروابط كأدوات ابتزاز سياسي.
بوادر رد أوروبي صامت
وأشارت الكاتبة إلى أن الطريقة التي أُدير بها ملف غرينلاند خلقت بالفعل خطراً اقتصادياً ملموساً، إذ إن كل خطوة إضافية نحو وضع الجزيرة تحت السيادة الأميركية توجّه رسالة إلى أوروبا مفادها أن واشنطن مستعدة لمقايضة الثقة بالإكراه.
وأضافت أن ذلك يفتح الباب أمام ردود انتقامية عبر التجارة ورأس المال وسلاسل التوريد، وهي شبكات خفية تدعم جزءاً كبيراً من ازدهار الولايات المتحدة.
الصناعات الدفاعية: نقطة ضعف حساسة
وقالت ميلر إن من أبرز القطاعات المعرّضة للضرر قطاع الصناعات الدفاعية، الذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات العسكرية والتكنولوجية الأميركية إلى أوروبا.
وأضافت أن أوروبا أصبحت منذ الغزو الروسي لأوكرانيا أسرع الأسواق نمواً للأسلحة الأميركية، من الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الصاروخي إلى الذخائر والأنظمة الرقمية المعقدة.
وتابعت، نقلاً عن تقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (مارس 2025)، أن صادرات السلاح الأميركية إلى أوروبا ارتفعت بنسبة 233% بين عامي 2020 و2024 مقارنة بالفترة الخمسية السابقة، وأن أوروبا استحوذت على 35% من إجمالي الصادرات العسكرية الأميركية، وهو أعلى مستوى منذ عقدين.
وأوضحت أن هذه المشتريات لا تدعم خطوط الإنتاج الأميركية فحسب، بل تكرّس المعايير التقنية الأميركية وتضمن قابلية التشغيل البيني لعقود طويلة، محذّرة من أن الضرر الحقيقي قد يظهر في العقود المستقبلية والتحديثات اللاحقة.
التكنولوجيا الدفاعية ومعضلة الثقة
وأضافت الكاتبة أن قطاع التكنولوجيا الدفاعية أكثر هشاشة، لأن الثقة والحوكمة الرقمية والاصطفاف السياسي تلعب فيه دوراً يوازي الأداء التقني والسعر.
وتابعت أن أزمة غرينلاند تعزز الشكوك الأوروبية في أن التكنولوجيا الأميركية قد تجلب معها مشكلات سياسية، ما يسهل على الحكومات الأوروبية توجيه العقود نحو بدائل محلية أو غير أميركية، حتى عندما تكون الأنظمة الأميركية متفوقة تقنياً.
الطاقة: سلاح ذو حدين
وأوضحت ميلر أن صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال الأميركية تمثل في آن واحد قوة استراتيجية ونقطة ضعف خفية، إذ تعتمد أوروبا بشكل كبير على الغاز الأميركي، بينما تتركز المخاطر السياسية والاقتصادية في مجتمعات ساحل الخليج الأميركي.
وأضافت أن بروكسل قد لا تتمكن من قطع الإمدادات الأميركية فجأة، لكنها تستطيع تقليص دور الغاز الأميركي تدريجياً، وتحويل عقودها طويلة الأجل إلى موردين آخرين، وإبطاء الاستثمارات الأوروبية في مشاريع الغاز الأميركية.
أداة بروكسل الاقتصادية
وقالت الكاتبة إن استخدام التهديد بالرسوم الجمركية لدفع أوروبا إلى التعاون يكشف هشاشة أميركية أمام الرد الانتقامي، لافتة إلى أن الاتحاد الأوروبي اعتمد عام 2023 أداة مكافحة الإكراه، التي تتيح له الرد الجماعي على الضغوط الاقتصادية.
وأضافت أن هذه الأداة تخوّل بروكسل رفع الرسوم بسرعة، وإغلاق المشتريات العامة أمام شركات مستهدفة، وتقييد الوصول إلى الأسواق الأوروبية في قطاعات حساسة مثل الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة.
وتابعت أن فرنسا وألمانيا بدأتا بالفعل مناقشة إمكان تفعيل هذه الأداة رداً على تهديدات غرينلاند، وأن مجرد التلميح إلى إعادة التفكير في دور أوروبا كدائن رئيس للولايات المتحدة كفيل بإثارة قلق الأسواق.
الانكشاف المالي الأميركي
وأوضحت ميلر أن الولايات المتحدة مكشوفة مالياً أيضاً، إذ يحتفظ مستثمرون أوروبيون بنحو ثمانية تريليونات دولار من السندات والأسهم الأميركية.
وأضافت، نقلاً عن استراتيجي في "دويتشه بنك"، أن بيع سندات الخزانة الأميركية قد يتحول إلى سلاح بيع أميركا، في سياق يشكك في الاستقرار الجيو-اقتصادي للتحالف الغربي.
وتابعت أن الخطر الواقعي لا يتمثل في بيع جماعي مفاجئ، بل في إعادة توازن تدريجية بعيداً عن الأصول الأميركية مع مرور الوقت.
غرينلاند: اختبار الثقة وحدود الغطرسة الاستراتيجية
خلصت الكاتبة إلى أن الرئيس ترامب قد يرى في غرينلاند جائزة استراتيجية تستحق التضحية بجزء من الثقة داخل التحالف الغربي، غير أن الأسواق والحكومات الحليفة بدأت بالفعل تسعير هذا التآكل في المصداقية. وفي عالم تحكمه الترابطات الاقتصادية العميقة، قد تتحول غطرسة القوة إلى كلفة اقتصادية باهظة، لا تدفعها واشنطن في العواصم الكبرى، بل في جيوب العمال والأسر الأميركية نفسها.
المصدر:
https://nationalinterest.org/feature/greenland-and-the-costs-of-us-strategic-hubris