في ظل تصاعد غير مسبوق في الخطاب الانفصالي داخل كندا، برزت مقاطعة ألبرتا الغنية بالطاقة في قلب عاصفة سياسية متشابكة الأبعاد، بعدما كشفت تقارير عن تحركات تقودها جماعات انفصالية لبحث خيار الاستقلال عن أوتاوا، بالتوازي مع تواصل مباشر مع دوائر رسمية في الولايات المتحدة.

وبينما تثير هذه التطورات قلق الحكومة الكندية وتساؤلات حول وحدة البلاد، يفتح الحديث عن دعم أو تفهم أمريكي محتمل لانفصال ألبرتا، الباب أمام تداعيات إقليمية ودولية تمس مستقبل كندا، واستقرار أمريكا الشمالية، ومعادلات الطاقة والأمن في المنطقة.

مدى أهميتها 

ألبرتا هي واحدة من أهم مقاطعات غرب كندا الثلاثة (مقاطعات البراري)، تحدها مقاطعة كولومبيا البريطانية من الغرب، وساسكاتشوان من الشرق، وولاية مونتانا الأمريكية من الجنوب.

وتبلغ مساحتها 661,848 كيلومتراً مربعاً، ما يجعلها رابع أكبر مقاطعة كندية من حيث المساحة، ويبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة، لتحتل المرتبة الرابعة أيضاً من حيث عدد السكان. 

وعاصمتها إدمونتون، وأكبر مدنها كالغاري، وتعتبر "قلب كندا الاقتصادي"، حيث تمتلك ثالث أكبر احتياطي للنفط في العالم بنسبة 90%، وتنتج نحو 80% من إجمالي الإنتاج النفطي في البلاد، مع تنوع اقتصادي يشمل الزراعة، التكنولوجيا، والطاقة النظيفة. 

كما تعد مقاطعة ألبرتا الكندية، ركيزة اقتصادية رئيسية بفضل توفر بيئة معيشية استثنائية، نظاماً تعليمياً وصحياً متطوراً، وأدنى مستويات ضرائب في كندا، مما يجعلها مركزاً جذاباً للاستثمار والهجرة. 

جذور النزعة الانفصالية

تُعد ألبرتا إحدى أغنى المقاطعات الكندية، وعلى مدى سنوات عبّر سياسيون وجماعات محلية عن استيائهم مما يعتبرونه سياسات فيدرالية تُقيد قطاع الطاقة، وتفرض ضرائب وتحويلات مالية تصب في مصلحة مقاطعات أخرى، لا سيما في شرق البلاد.

وتعزز هذا الشعور مع سياسات المناخ الكندية، وتسعير الكربون، وقيود تصدير الطاقة، التي ترى ألبرتا أنها تلحق ضرراً مباشراً باقتصادها، وتحد من استقلال قرارها الاقتصادي.

وتكبدت ألبرتا خسائر تقدر بنصف تريليون دولار من الاستثمارات خلال العقد الماضي، وعشرات المليارات من الإيرادات المفقودة التي كان من الممكن استثمارها في الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات التي يحتاجها سكان ألبرتا، وفق تصريحات رئيسة الوزراء دانييل سميث.

بين مؤيد ومعارض 

ورغم تصاعد الخطاب الانفصالي في فترات متقطعة، لا يحظى خيار الانفصال بدعم شعبي كاسح داخل ألبرتا، حيث تشير بعض استطلاعات الرأي، إلى أن ما يصل إلى 30%  من السكان يؤيدون الانفصال عن كندا.

وتُثير هذه التطورات قلقاً بالغاً في كيبيك، أكبر مقاطعات البلاد، حيث شهدت النزعة الانفصالية صعوداً وهبوطاً على مدى أجيال. 

وأكد المؤيدون أنهم يشعرون بالإحباط من تجاهل الحكومة الفدرالية، واعتبروا الانفصال فرصة جيدة للتحرر من الالتزامات المالية التي تُدفع للمقاطعات الأخرى دون أن تعود بفائدة عليهم، بل ازدادت الحياة صعوبة جراء سياسات الحكومة الفدرالية.

وأما الأصوات المعارضة، فيخشون من التبعات الاقتصادية والسياسية، ويميلون إلى الاستقرار ووحدة البلاد، والحفاظ على الامتيازات مثل جواز السفر الكندي. فيما اعتبر آخرون أن فكرة الانفصال، هي ورقة ضغط على أوتاوا للتفاوض والحصول على مكتسبات وتحسين التعامل مع موارد المقاطعة، وليست هدفاً واقعياً.

"ألبرتا" الغنية بالنفط تشعل خلافات جديدة بين كندا وأمريكا - موقع 24قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، أمس الخميس، إنه يتوقع من الولايات المتحدة "احترام السيادة الكندية"، بعد ورود تقارير عن لقاءات جمعت مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية، بانفصاليين من مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط.

الدور الأمريكي 

وتزداد حساسية الملف بالنسبة لأوتاوا، مع تقارير تفيد بأن مجموعة "مشروع ازدهار ألبرتا"، سعت إلى الحصول على إشارات دبلوماسية مبكرة من واشنطن للاعتراف بألبرتا دولة مستقلة.

كما قامت المجموعة بمناقشة مسارات بديلة لخطوط أنابيب النفط عبر شمال غرب المحيط الهادئ الأمريكي، لتجاوز الموافقات الفيدرالية الكندية ومقاطعة كولومبيا البريطانية.

وفي الآونة الأخيرة، ظهرت تكهنات في بعض الأوساط الإعلامية والسياسية حول أن الولايات المتحدة قد تنظر بإيجابية إلى ألبرتا مستقلة، نظراً لقربها الجغرافي واعتماد الاقتصاد الأمريكي على الطاقة الكندية.

غير أن الولايات المتحدة لم تصدر أي موقف رسمي يدعم انفصال ألبرتا، ويرى محللون أن أي دعم أمريكي علني لانفصال مقاطعة كندية سيُعد سابقة خطيرة، وقد يضر بالعلاقات الثنائية، ويثير توترات إقليمية لا تصب في مصلحة واشنطن.

ويبقى الحديث عن انفصال ألبرتا أداة ضغط سياسية داخلية، أكثر منه مشروعاً قابلاً للتنفيذ على المدى القريب. وأما ما يُتداول عن دعم أمريكي، فيقع حتى الآن في إطار التكهنات السياسية وليس المواقف الرسمية.

وحتى الآن، لا توجد خارطة طريق لما قد يستلزمه الانفصال، خاصة مع وجود تساؤلات حول ما إذا كان الهدف النهائي هو الاستقلال، أو الانضمام إلى الولايات المتحدة.