في زمن الحروب الحديثة، لم تعد الصراعات العسكرية تُفاجئ العالم عند اندلاعها، بل تُقرأ ملامحها مسبقاً عبر تحركات الجيوش، وتسارع التصريحات الدبلوماسية، وإعادة تموضع الأصول الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي إم. إيه. حسين في موقع "آسيا تايمز" أن الاستعدادات العسكرية الأمريكية تجاه إيران توحي باقتراب مواجهة محتملة، غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بكيفية شن الحرب، بل بغاياتها النهائية، وما إذا كانت القوة العسكرية قادرة فعلاً على تحقيقها.

حروب بلا نهاية واضحة
وقال إم. إيه. حسين، الصحفي المختص في الشؤون الدولية، إن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة من الحروب الدولية، بات من الممكن فيها استشراف مسار الصراع قبل انطلاقه.

وأضاف الكاتب أن تحركات حاملات الطائرات، وإخلاء قواعد عسكرية، وتسارع الاتصالات الدبلوماسية الخالية من الصراحة، كلها مؤشرات على أن واشنطن تعيد رسم قواعد اللعب تجاه إيران.

وأوضح أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في طبيعة الضربة العسكرية المحتملة، بل في غياب إجابة واضحة عن السؤال الأهم: لماذا تُشن الحرب، وإلى أي هدف نهائي؟

دروس من فيتنام والعراق
وتابع الكاتب أن التاريخ العسكري الأميركي حافل بأمثلة عن تحقيق نجاحات تكتيكية سريعة دون امتلاك رؤية استراتيجية واضحة لنهاية الحرب، مستشهداً بتجارب فيتنام والعراق، بل وحتى الحرب العالمية الثانية.

وأشار الكاتب إلى أن واشنطن تعلمت، ثم تجاهلت، درساً جوهرياً مفاده أن القدرة على خوض الحرب لا تعني القدرة على إدارتها سياسياً بعد انتهائها، محذراً من أن إيران قد تصبح حلقة جديدة في هذه السلسلة.

تحريك الأصول وتهيئة ساحة المعركة
وأوضح الكاتب أن أوضح مؤشرات الاستعداد العسكري تتمثل في تحريك الأصول الاستراتيجية الأميركية، حيث تم نشر مجموعة ضاربة من حاملات الطائرات في الشرق الأوسط، إلى جانب منظومات دفاع صاروخي متقدمة مثل باتريوت وثاد.

وأضاف الكاتب أن واشنطن باشرت إخلاء العناصر غير الأساسية من مواقع متقدمة في السعودية وقطر، ونقلت طائرات التزويد بالوقود والنقل الثقيل إلى المنطقة، في خطوات لا توحي بترجيح الحل الدبلوماسي، بقدر ما تشير إلى تهيئة مسرح العمليات لمواجهة عسكرية.

إيران ليست طرفاً سلبياً
وتابع الكاتب أن طهران لم تقف موقف المتفرج، بل استعدت لهذه التطورات منذ فترة، بدليل تدفق الأسلحة إليها من روسيا والصين، إلى جانب تخزينها كميات إضافية من السلاح وتحديث دفاعاتها الجوية عبر منظومة HQ-9B الصينية.

وأوضح أن هذه القدرات تبدو، عند النظر إليها منفردة، متقدمة، لكنها عملياً لا توفر دفاعاً جوياً فعالاً أمام التهديدات الحديثة، التي تتطلب تكاملاً عميقاً بين الأنظمة ومستوى عالياً من التنسيق اللحظي، وهو ما تفتقر إليه إيران.

الاحتجاجات ذريعة لا هدف
وأشار الكاتب إلى أن الاحتجاجات الداخلية في إيران، على خطورتها ودمويتها، لا تمثل الدافع الحقيقي في الحسابات الأميركية.

وأضاف أن اهتمام واشنطن المفاجئ بالديمقراطية الإيرانية يبدو فاقداً للمصداقية، في ضوء سجل الرئيس دونالد ترامب، سواء في تجاهله لانهيار الديمقراطية في فنزويلا، أو نظرته البراغماتية البحتة لأوكرانيا وجرينلاند. وأكد أن المسألة لا تتعلق بنشر القيم الليبرالية، بل بملف غير مكتمل.

اليورانيوم المفقود جوهر الأزمة
وأوضح الكاتب أن جوهر هذا الملف يعود إلى المواجهة السابقة، حين فشلت الضربات الأميركية في تتبع نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بعدما قامت طهران بنقله مسبقاً.

وأضاف أن هذه الكمية، في حال تخصيبها بنسبة أعلى، يمكن أن تنتج مواد كافية لصناعة عدة رؤوس نووية، ما يجعل القضية، من المنظور الأميركي، غير محسومة حتى الآن.

مفاوضات بلا أفق
وتابع الكاتب أن إيران حاولت كسب الوقت عبر عرض التفاوض، غير أن الشروط الأميركية تغيرت جذرياً، لتشمل وقف التخصيب وبرامج الصواريخ، ونقل المواد النووية القائمة، والتخلي عن الحلفاء الإقليميين.

وأوضح أن أي حكومة إيرانية، دينية كانت أم غير ذلك، لا يمكنها البقاء إذا وافقت على مثل هذه الشروط، ما يعيد الصراع مجدداً إلى خيار القوة.

ثلاثة مسارات عسكرية
ويرى الكاتب أن أمام الولايات المتحدة ثلاثة خيارات عسكرية رئيسة:

أولاً: الضربة المحدودة
وتتمثل في استهداف المنشآت النووية فقط، باستخدام قاذفات B-2 وقنابل GBU-57 القادرة على اختراق التحصينات العميقة.

وأضاف أن هذا الخيار سيكون قصيراً وعنيفاً ومحدود الأهداف، وقد يحقق تأجيلاً للبرنامج النووي، لكنه لا يوفر حلاً نهائياً.

ثانياً: قطع الرأس
ويقوم على استهداف قيادات عليا أو شخصيات محورية في الحرس الثوري، على أمل زعزعة النظام.

غير أن الكاتب حذر من أن النظام الإيراني مؤسسي بطبيعته، وأن ثقافة الشهادة قد تحول القتل إلى عامل توحيد لا تفكيك، مستشهداً بتجربة العراق عام 2003.

ثالثاً: الحملة الشاملة
وهو أخطر الخيارات وأكثرها طموحاً، ويتمثل في حملة طويلة تستهدف البنية العسكرية والأمنية والسياسية للنظام.

وأوضح الكاتب أن هذا المسار قد يدفع إيران إلى ردود انتقامية تدريجية أو شاملة، تصل إلى إشعال حرب إقليمية تشمل الخليج وإسرائيل.

الجغرافيا عامل حاسم
وأشار الكاتب إلى أن القيود الجغرافية والسياسية تضيق خيارات واشنطن، في ظل تردد دول المنطقة في فتح أجوائها، وخطورة المسار الشمالي عبر القوقاز، مقابل تعقيدات لوجستية للمسار الجنوبي عبر المحيط الهندي. وأضاف أن أي هجوم مرجح سيعتمد مزيجاً من المسارين الأوسط والجنوبي.

إسرائيل والفرصة العابرة
وتابع الكاتب أن الدور الإسرائيلي يشكل متغيراً إضافياً، إذ إن تل أبيب، في حال اهتزاز النظام الإيراني، لن تنتظر وضوح الصورة، بل ستسعى إلى تدمير البنية العسكرية الإيرانية، كما فعلت في سوريا عقب سقوط نظام الأسد، انطلاقاً من قناعة بأن مثل هذه اللحظات نادرة ولا تتكرر.

ما بعد الدخان
خلص الكاتب إلى أن السؤال المركزي يظل معلقاً: ماذا تريد واشنطن بعد انقشاع الدخان؟ تأجيل البرنامج النووي؟ إضعاف النظام؟ أم تغييره؟

ومن دون إجابة واضحة، تصبح القوة العسكرية غاية في ذاتها، لا وسيلة لتحقيق هدف سياسي محدد. ويؤكد أن إيران تتطلب قدراً عالياً من التعقل، لأن طريقة إنهاء الحروب تظل أهم من طريقة اندلاعها، بينما ما تزال واشنطن، حتى الآن، عاجزة عن تقديم تصور واضح للنهاية.

المصدر:
https://asiatimes.com/2026/01/us-war-with-iran-demands-strategy-not-just-strength/