في ليلة النصف من شهر شعبان، تنبض الأحياء الإماراتية بأجواء من الفرح والبهجة، وتتعالى في الشوارع والأزقة أصوات الأهازيج التراثية التي يرددها الأطفال، في مشهد سنوي متجدد يُعرف بـ"حق الليلة"، التي تسبق شهر رمضان المبارك وتحمل في طياتها معاني الفرح والانتماء والذاكرة الجماعية.

لا تقتصر "حق الليلة" على كونها مناسبة احتفالية، بل تمثل امتداداً حياً للموروث الشعبي، وجسراً يربط الأجيال الجديدة بقصص الطفولة وذكريات الأجداد، في أجواء بسيطة يسودها الدفء والتكافل الاجتماعي.

تراث حيّ في ذاكرة الطفولة

تستحضر المواطنة الإماراتية نورة الشامسي، ذكرياتها مع هذه المناسبة، قائلة إن "حق الليلة" ما زالت تمثل نافذة على طفولتها وذكريات بيت العائلة. وتضيف: "كنا ننتظر هذه الليلة بشغف، وكانت جدتي تجهّز الحلويات في أوعية كبيرة، وتدعونا لمساعدتها في التوزيع. كان البيت يغمره الضحك والفرح، وكانت تلك اللحظات بسيطة لكنها راسخة في الذاكرة".

وتوضح الشامسي أنها تحرص اليوم على إحياء هذه العادة مع أطفالها، من خلال تجهيز علب ملوّنة مليئة بالسكاكر وتوزيعها على أطفال العائلة والجيران، مؤكدة أن الحفاظ على هذه التقاليد يسهم في غرس قيم المشاركة والترابط الاجتماعي في نفوس الأطفال.

كيف يحتفي الإماراتيون بـ "حق الليلة"؟ - موقع 24تعد احتفالية "حق الليلة" واحدة من أبرز المظاهر التراثية في دولة الإمارات، إذ يحييها المجتمع الإماراتي في ليلة النصف من شهر شعبان من كل عام، احتفاءً بقرب حلول شهر رمضان المبارك، وتجسيداً لقيم الفرح والتكافل الاجتماعي.

امتداد خليجي بروح واحدة

من جانبها، تشير ريم الكعبي، إلى أن "حق الليلة" تُعد جزءاً من موروث خليجي مشترك، مع اختلاف مسميات وتوقيت الاحتفال بين دول المنطقة. وتوضح أن الإمارات تحتفل بها في ليلة النصف من شعبان، بينما تُعرف في دول أخرى مثل الكويت وسلطنة عمان بأسماء مثل "القرقيعان" أو "القرنقشوه"، وغالباً ما تُقام في منتصف شهر رمضان.

وتضيف الكعبي: "في الماضي، كنا نطوف أحياء الفريج بملابسنا التراثية، نحمل أكياس القماش ونردد الأهازيج الشعبية. أما اليوم، فأصبحت الاحتفالات أكثر تنظيماً داخل البيوت، حيث تجتمع العائلات لتحضير الحلويات الشعبية ومشاركة الأطفال الفرحة".

وتلفت إلى أن المدارس ورياض الأطفال باتت تلعب دوراً مهماً في إحياء هذه المناسبة، من خلال تنظيم فعاليات خاصة يرتدي فيها الأطفال الأزياء التراثية ويتبادلون الحلويات، ما يسهم في ترسيخ هذه العادة كجزء من الهوية الوطنية.

دور الأسرة في نقل التراث

تؤكد حصة المزروعي، أن "حق الليلة" فرصة تربوية واجتماعية مهمة لغرس قيم التراث والانتماء لدى الأبناء، قائلة: "نحرص كعائلات على تعريف أطفالنا بهذه العادات، لأنها تعلّمهم الفرح البسيط، والكرم، والتواصل مع المجتمع من حولهم".

وتضيف أن إحياء (حق الليلة) داخل الأسرة، سواء عبر توزيع الحلويات أو المشاركة في الفعاليات المجتمعية، يعزز ارتباط الأطفال بهويتهم الثقافية، ويجعل التراث حاضراً في تفاصيل حياتهم اليومية، لا مجرد ذكرى من الماضي".