في مشهد بدا واثقاً، ظهر علي لاريجاني، أحد أبرز مسؤولي الأمن في إيران، مرتدياً نظارات شمسية داكنة ومعطفاً أسود، وهو يتجول بين حشود من أنصار النظام في وسط طهران، يوم الجمعة، وذلك أول ظهور علني له خلال حرب بات فيها هدفاً معروفاً وكتب لاحقاً على منصة "إكس": شعب شجاع، ومسؤولون شجعان، وقادة شجعان. هذا المزيج لا يمكن هزيمته".
بعد 4 أيام فقط لقي حتفه وتحديداً في ساعات الصباح الأولى من يوم الثلاثاء، حيَّن رصدت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لاريجاني أثناء اجتماعه مع مسؤولين آخرين في مخبأ على أطراف طهران، وتم استهدافه بصاروخ أدى إلى مقتله كما قتلت إسرائيل قائد ميليشيا "الباسيج" غلام رضا سليماني، الذي كان مختبئاً مع مساعديه في خيمة داخل منطقة مشجرة في طهران بحسب ما ذكرت "وول ستريت جورنال".
تصعيد عسكري
تُظهر الوثائق أن الحملة بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، حيث استهدفت إسرائيل البنية التحتية للأجهزة الأمنية، من مقار القيادة إلى مراكز الشرطة المحلية. وبحسب التقديرات، أُلقيت نحو 10 آلاف ذخيرة على آلاف الأهداف، بينها أكثر من 2200 موقع مرتبط بالحرس الثوري و"الباسيج" وقوات الأمن الداخلي، ما أسفر عن مقتل أو إصابة الآلاف.
وتوسعت الضربات لتشمل مواقع تجمع بديلة، مثل المجمعات الرياضية، التي لجأت إليها القوات الأمنية بعد تدمير منشآتها. ومن أبرز هذه الهجمات استهداف "استاد آزادي"، الذي أسفر عن مقتل مئات العناصر. كما استهدفت إسرائيل مستودعات الشرطة ومعداتهم، وركزت على وحدات الدراجات النارية التي تُستخدم في قمع الاحتجاجات.
وفي تطور لافت، استخدمت إسرائيل طائرات مسيّرة لملاحقة نقاط التفتيش والحواجز، مستندة في كثير من الأحيان إلى معلومات يقدمها مدنيون.
وأسفرت هذه الضربات عن مقتل أعداد محدودة من العناصر في كل مرة، لكنها ساهمت في إرباك القوات الأمنية واستنزافها.
تسلسل زمني لاغتيالات القادة الإيرانيين منذ اندلاع الحرب - موقع 24شكّل اغتيال الجيش الإسرائيلي لاثنين من كبار المسؤولين الإيرانيين، في غارات منفصلة، أمس الثلاثاء، ضربة قوية للقيادة الإيرانية، التي تضررت بشدة خلال الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
تداعيات داخلية
داخل إيران، تشير شهادات السكان إلى تزايد حالة الاضطراب، حيث باتت قوات الأمن تتحرك باستمرار لتجنب الاستهداف، وتلجأ إلى أماكن غير تقليدية مثل المدارس والمساجد وحتى المباني السكنية. وأفاد طبيب في طهران بأن بعض العناصر طلبوا المبيت في المباني، فيما نُقلت نقاط تفتيش إلى مواقع مخفية مثل أسفل الجسور.
كما تأثرت الحياة اليومية، إذ توقفت بعض الخدمات الأمنية، وتعطلت تحقيقات في جرائم مثل السرقة، بينما طلبت الشرطة من أصحاب المتاجر إغلاق محالهم مبكرًا لعدم قدرتها على ضمان الأمن.
في الوقت ذاته، كشفت تقارير عن استخدام إسرائيل أساليب نفسية، من بينها تهديد قادة ميدانيين عبر الهاتف. وفي إحدى المكالمات، قال عميل استخبارات: "نحن نعرف كل شيء عنك... أنت على قائمتنا السوداء"، محذراً من أن مصيرهم سيكون كمصير قياداتهم إن لم ينحازوا للشعب. ورد أحد القادة: "أقسم بالقرآن، لست عدوكم... أنا رجل ميت أصلًا".
بعد مقتله.. كيف سيهز اغتيال لاريجاني النظام الإيراني؟ - موقع 24أفادت تقارير بأن إسرائيل أعلنت مقتل المسؤول الأمني الإيراني البارز علي لاريجاني، في خطوة قد تمثل ضربة كبيرةً لبنية النظام في إيران.
ورغم هذه الضغوط، لا تزال قوات الأمن تفرض سيطرتها على الشارع، مهددة باستخدام القوة المميتة لمنع أي احتجاجات. ويخشى كثير من الإيرانيين من أن يؤدي أي تحرك حالي إلى عواقب كارثية، خاصة مع احتمال بقاء النظام أكثر تشدداً في حال نجاته.
ويرى خبراء أن إسقاط نظام عبر الضربات الجوية وحدها أمر صعب، حيث قال الباحث فرزين نديمي: "إنهم يشاهدون نظاماً يتآكل أمام أعينهم، لكن الأمر يتطلب المزيد بكثير من الضربات لقلب الموازين".
وفي المقابل، تعتقد إسرائيل أن تدهور الاقتصاد وتصاعد الغضب الشعبي قد يدفعان نحو انهيار تدريجي للنظام، لكن الحسم النهائي يبقى بيد الشعب الإيراني.