أكد العميد الركن طيار عبدالناصر الحميدي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع، أن القوات المسلحة الإماراتية تحافظ على جاهزية دائمة للدفاع عن الدولة في مختلف الظروف، مشدداً على أن الاستعداد العسكري لا يرتبط بوقت السلم أو الحرب فقط، بل هو حالة مستمرة على مدار الساعة.
وجاءت تصريحات الحميدي خلال مشاركته في بودكاست "آن" مع فهد هيكل، حيث استعرض كيفية اختبار المنظومة الدفاعية الإماراتية خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تصاعد الاعتداءات الإيرانية السافرة على الإمارات، مؤكداً أن ما برز لم يكن فقط القدرة على التصدي، بل أيضاً القدرة على الحفاظ على الكفاءة والجاهزية لفترة ممتدة دون تراجع.
وقال الحميدي إن الطيارين الإماراتيين ومنظومات الدفاع الجوي أظهروا "كفاءة عالية" في التعامل مع الاعتداءات التي وقعت بصورة مفاجئة، مشيراً إلى أن شبكة الدفاع الجوي كانت تعمل منذ اللحظة الأولى، وتمكنت من اعتراض التهديدات فور ظهورها.
وأضاف أن حجم الهجمات التي تعرضت لها الدولة كان غير مسبوق، موضحاً أن الإمارات واجهت في السابق أنماطاً مشابهة من التهديدات، بما في ذلك الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، إلا أن ما اختلف في التصعيد الأخير هو كثافة الهجمات وحجمها.
وأوضح "تعرضنا لمئات الصواريخ الباليستية وصواريخ الطوافة والطائرات المسيّرة خلال أيام معدودة"، لافتاً إلى أن معظم هذه التهديدات تم اعتراضها وتدميرها، فيما وقعت أضرار محدودة في بعض المناطق نتيجة الشظايا الناجمة عن عمليات الاعتراض الناجحة.
وتيرة تشغيلية مرتفعة
وأشار الحميدي إلى أن المنظومة الدفاعية الإماراتية حافظت على وتيرة تشغيلية مرتفعة لمدة 40 يوماً متواصلة، دون أي تراجع في الفاعلية، مؤكداً الثقة في قدرة هذه المنظومة على الحفاظ على المستوى نفسه من الأداء، حتى في حال استمرار التهديدات.
ووصف القدرات الدفاعية لدولة الإمارات بأنها "متكاملة وشاملة ومتطورة للغاية"، ومدعومة بإحدى أكثر منظومات الدفاع الجوي تطوراً على مستوى العالم، وبيّن أن هذه المنظومة تعمل عبر أبعاد متعددة، بما يتيح لها الدفاع في جميع الاتجاهات، وعلى مختلف الارتفاعات، ولمسافات بعيدة، بما في ذلك التهديدات خارج الغلاف الجوي، مثل الصواريخ الباليستية.
وأضاف أن هذا النهج الدفاعي متعدد الطبقات أتاح للدولة مرونة كبيرة في التعامل مع أنواع مختلفة من التهديدات، بدءاً من الصواريخ الباليستية عالية السرعة، وصولًا إلى الطائرات المسيّرة، التي تحلق على ارتفاعات منخفضة.
وفي حديثه عن مفهوم القوة العسكرية، قال الحميدي إن معيار القوة لم يعد يعتمد أساساً على القدرات الهجومية، بل على قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها، والحفاظ على الاستقرار، وضمان استمرار عمل المؤسسات في أوقات الأزمات.
القوة الوطنية
وأكد أن ما شهدته الدولة خلال الأربعين يوماً الماضية قدّم نموذجاً واضحاً على ذلك، إذ استمرت مؤسسات الدولة في أداء أعمالها بشكل طبيعي، واستمرت الحياة اليومية بأقل قدر ممكن من التأثر، معتبراً أن القدرة على الصمود أصبحت مقياساً رئيسياً للقوة الوطنية.
كما أشار إلى الدور الذي لعبته القيادة خلال الأزمة، موضحاً أنها كانت "في الميدان إلى جانب الجنود"، وهو ما انعكس بشكل مباشر على المعنويات. ولفت كذلك إلى أهمية دعم المجتمع، واصفًا إياه بأنه إحدى الركائز الأساسية التي ساهمت في تعزيز صمود القوات المسلحة خلال فترة التوتر.
وعلى مستوى إدارة الأزمة، شدد الحميدي على أن التعامل مع التطورات لم يكن عسكرياً فقط، بل اعتمد أيضاً على مستوى عالٍ من التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، معتبراً أن هذا التكامل كان عنصراً حاسماً في نجاح الاستجابة، ويجب تعزيزه بصورة أكبر مستقبلًا.
اكتفاء ذاتي
وفي سياق حديثه عن الصناعة الدفاعية الوطنية، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع أن القطاع الدفاعي المحلي في دولة الإمارات بلغ مستوى عالمياً من التنافسية في الأنظمة البرية والجوية والبحرية والفضائية، موضحاً أن هذا التقدم منح الدولة قدراً مهماً من الاكتفاء الذاتي العسكري، خصوصاً في أوقات اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وأضاف أن الأنظمة المطورة محلياً والقدرات الإنتاجية الوطنية أسهمت خلال الأزمة الأخيرة في دعم العمليات وتعزيز القدرات العسكرية خلال فترات زمنية قصيرة.
وتطرق الحميدي أيضاً إلى تنامي استخدام الطائرات المسيّرة، واصفاً إياها بأنها تحدٍّ حديث ومعقد يواجه الجيوش حول العالم، مؤكداً أن دولة الإمارات طورت أنظمة متكاملة للرصد والاعتراض قادرة على تتبع حركة المسيّرات، والتعامل معها، قبل أن تتحول إلى خطر.
وأوضح أن هذه الأنظمة تجمع بين الدفاع الجوي الأرضي والطائرات الاعتراضية، بما يوفّر استجابة متعددة الطبقات لهذا النوع من التهديدات غير التقليدية.
وفي ما يتعلق بتأثير الأحوال الجوية أو اختلاف التوقيت بين الليل والنهار، أكد الحميدي أن هذه العوامل لم تؤثر بشكل كبير في أداء المنظومة الدفاعية الإماراتية، موضحاً أن الأنظمة المتقدمة تتيح العمل بالكفاءة نفسها في الأجواء الماطرة، وفي ظروف انخفاض الرؤية، وخلال العمليات النهارية والليلية على حد سواء.
كما أشار إلى تنامي دور التكنولوجيا الحديثة، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من المنظومة الدفاعية الإماراتية، ولا سيما في تحليل البيانات واختيار أنسب وسائل الرد على التهديدات، بما يدعم القرار البشري ويرفع من سرعة ودقة الاستجابة.
وفي الوقت نفسه، أشاد الحميدي بدور الجندي الإماراتي، مؤكداً أنه يتمتع بمستوى عالٍ من التدريب والانضباط والكفاءة، وأن سنوات التدريب والخبرة العملياتية، إلى جانب المشاركة في مهمات إقليمية، أسهمت في بناء قوة قادرة على العمل بمستوى الجيوش المتقدمة.
الاستعداد المبكر
وحول أبرز الدروس المستفادة من المرحلة الأخيرة، شدد الحميدي على أن أهم ما أكدته التجربة هو ضرورة الاستعداد المبكر والحفاظ على الجاهزية المستمرة، مشيراً إلى أن الأداء الذي أظهرته المنظومة الدفاعية لم يكن نتاج ظرف طارئ، بل نتيجة سنوات طويلة من التخطيط والاستثمار والتطوير.
وأضاف أن الحفاظ على هذا المستوى يتطلب قراءة استباقية للتهديدات المستقبلية، وتعزيز التكامل المؤسسي، والاستعداد الدائم للتكيف مع المتغيرات القادمة.
وقال: "المستوى الذي وصلنا إليه اليوم هو نتيجة عقود من الإعداد. والمحافظة على هذا المستوى تتطلب جاهزية مستمرة، وتنسيقاً دائماً، وقدرة على التكيّف مع ما هو قادم".