اختتمت في العاصمة أبوظبي فعاليات منتدى ومعرض "اصنع في الإمارات" 2026، محققة قفزة نوعية غير مسبوقة في مؤشرات القيمة الوطنية المضافة، وهو ما يرسخ مكانة الدولة كمركز ثقل صناعي عالمي عبر صفقات استراتيجية واستثمارات كبرى في البنية التحتية للصناعات الكيماوية والدفاعية.

وشهد الزخم الاقتصادي للمنتدى والمعرض توقيع أكثر من 200 اتفاقية ومذكرة تفاهم، تُرجمت إلى أرقام تعكس ثقة المستثمرين؛ حيث تم الكشف عن فرص مشتريات استراتيجية بقيمة 180 مليار درهم، واستثمارات صناعية معلنة بلغت 48 مليار درهم.

وفي خطوة عززت من التوقعات المستقبلية للقطاع، كشفت شركة "أدنوك" عن خطة طموحة لترسية عقود شراء تتجاوز قيمتها 200 مليار درهم خلال السنوات الثلاث القادمة، مما يرفع إجمالي القيمة التقديرية للحراك الاقتصادي المرتبط بالمنتدى إلى 428 مليار درهم، وهي مستويات غير مسبوقة.

ولم تقتصر نتائج المنتدى والمعرض على الجوانب المالية، بل تعدتها إلى ترسيخ "السيادة اللوجستية" لدولة الإمارات؛ حيث استعرضت الدولة جاهزية شبكات الجسور البرية والسكك الحديدية كبدائل استراتيجية تضمن تدفق التجارة بعيداً عن تعقيدات الملاحة في مضيق هرمز.

 وبهذا، فقد تحولت علامة "اصنع في الإمارات" من مجرد شعار صناعي إلى "صمام أمان" دولي يضمن استدامة سلاسل الإمداد العالمية وسط التحديات الجيوسياسية الراهنة.

محمد بن زايد: القطاع الصناعي إحدى أهم الركائز في دعم الاقتصاد الوطني - موقع 24زار الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، اليوم الأربعاء، فعاليات الدورة الخامسة لمنصة "اصنع في الإمارات 2026"، التي تقام في مركز أبوظبي الوطني للمعارض "أدنيك".

ملحمة الصفقات 

وعلى مدار أربعة أيام " 4-7 مايو " من الزخم الاقتصادي، شهد المنتدى والمعرض تحولاً استراتيجياً في نوعية الاستثمارات؛ فلم تكن الأرقام مجرد نوايا، بل عقود شراء ملزمة أعادت رسم خارطة الصناعات التحويلية.

وفي صدارة المشهد الكيماوي، برزت شركة "تعزيز" كلاعب محوري عبر إبرام عقود شراء استراتيجية طويلة الأمد بقيمة 104.6 مليار درهم. 

ووصُفت هذه التحركات بأنها "محطة تاريخية" تدعم تنفيذ مشروع مدينة الرويس الصناعية، وتهدف للوصول بإنتاج الكيماويات إلى 4.7 مليون طن سنوياً بحلول عام 2028، مما يسهم مباشرة في مستهدفات "مشروع 300 مليار درهم .

كما تعكس هذه الخطوة، الجاذبية الاستثمارية لمنظومة 'تعزيز' الصناعية، التي تهدف لترسيخ مكانة أبوظبي كمركز عالمي لإنتاج المواد الكيماوية الأساسية والمشتقات، مؤمنةً بذلك احتياجات الأسواق العالمية من مدخلات الصناعة الحديثة عبر سلاسل توريد وطنية متكاملة."

ولم يتوقف النبض الصناعي عند حدود الكيماويات، بل امتد لقطاع الطاقة؛ حيث أبرمت "أدنوك للغاز" اتفاقية محورية بقيمة 18.4 مليار درهم لتزويد مشروعاتها لإنتاج الميثانول باحتياجاتها، في خطوة تهدف لتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية تُصدر لجميع أنحاء العالم عبر الموانئ التي باتت ترتبط رقمياً وبدنياً بشبكة قطار الاتحاد.

أبوظبي.. شراكة بـ36.7 مليار درهم لتطوير منظومة كيماويات صناعية في الرويس - موقع 24أعلنت "تعزيز" و"ألفا ظبي القابضة"، اليوم الأربعاء، توقيع اتفاقية شراكة إستراتيجية لاستثمارات رأسمالية بقيمة نحو 36.7 مليار درهم (10 مليارات دولار) في كيماويات صناعية جديدة، ضمن منظومة "تعزيز" للكيماويات الصناعية بمدينة الرويس الصناعية في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي.

الصناعات الدفاعية

في زاوية أخرى من المنتدى، كانت "السيادة الدفاعية" تكتب فصلاً جديداً؛ حيث تم الإعلان عن الصفقة الأكبر من نوعها في المنطقة لشراء طائرات الشحن العسكري "KC-390 ميلينيوم". هذه الصفقة، التي لم تكن مجرد عملية شراء، بل تضمنت بنوداً لتوطين أجزاء من الصيانة والتصنيع المحلي، تؤكد أن الإمارات انتقلت من دور المستهلك للتقنيات العسكرية إلى دور الشريك الاستراتيجي والمصنّع الذي يملك "مفتاح الحل" اللوجستي في الأزمات.

تجاوز "عقدة هرمز"

 وكانت السردية الأكثر تأثيراً التي سيطرت على نقاشات الخبراء في ختام المنتدى كانت حول "المرونة اللوجستية". فقد كشفت البيانات الموثقة أن المصانع التي تم تأسيسها أو توسعتها في "كيزاد" ودبي جنوب بدأت تعتمد فعلياً على قطار الاتحاد كشريان حياة بديل. 

ويظهر التحليل الفني أن نقل البضائع من هذه المصانع إلى ميناء الفجيرة (خارج مضيق هرمز) قلص زمن الوصول بنسبة 75%، مما جعل تهديد الممرات المائية مجرد "فرضية تقنية" تم تجاوزها فعلياً عبر بنية تحتية برية ذكية، وهو ما دفع شركات الأدوية والرقائق الإلكترونية العالمية لتوقيع اتفاقيات توطين إنتاجها في الدولة خلال أيام المنتدى.

التمويل الذكي والوظائف

ولم تكن الصفقات المليارية التي شهدها معرض "اصنع في الإمارات " موجهة للآلات فحسب، بل للبشر أيضاً؛ فقد أعلن مصرف الإمارات للتنمية عن تخصيص حزم تمويلية ميسرة تجاوزت 15 مليار درهم،استهدفت حصرياً المشاريع التي تتبنى تقنيات الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة.

 وبالتزامن مع هذه التدفقات النقدية ، تم الإعلان عن توفير 1500 وظيفة نوعية للمواطنين في القطاع الخاص الصناعي، كدفعة أولى من مستهدفات "برنامج المحتوى الوطني"، مما يضمن أن القيمة المضافة من هذه الصفقات ستبقى وتنمو داخل النسيج الاجتماعي للدولة.

 عصر التصنيع 

مع إسدال الستار على "اصنع في الإمارات 2026"، يغادر العالم أبوظبي وهو يدرك أن الدولة قد حصنت اقتصادها بـ "ثلاثية القوة"التي تشمل استقلال الطاقة عبر مفاعلات براكة، السيادة اللوجستية عبر قطار الاتحاد، والريادة الصناعية عبر صفقات المليارية التي جرى إبرامها.

وفي الحصيلة النهائية ، فإن دولة الإمارات اليوم لم تعد تكتفي بإنتاج السلع، بل تنتج "الاستقرار" وتصدر "الثقة"، مؤكدة أن نموذجها التنموي هو الرهان الأكثر ربحية وأماناً في قرن التحديات الكبرى.