تتصاعد الخلافات داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول خطة تمنح أجهزة الاستخبارات الأمريكية دوراً أوسع في تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، في وقت يستعد فيه ترامب لزيارة الصين وعقد قمة مرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، وسط سباق تكنولوجي متسارع بين واشنطن وبكين.

وبحسب مصادر مطلعة لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، فإن ترامب قد يوقّع أمراً تنفيذياً جديداً بشأن أمن الذكاء الاصطناعي في أقرب وقت، إلا أن موقف الإدارة من كيفية التعامل مع النماذج المتقدمة، لا يزال موضع جدل واسع داخل أروقة البيت الأبيض.

صراع نفوذ 

ويتركز الخلاف بين مسؤولين في وزارة التجارة ومستشارين للأمن القومي، حول الجهة التي يجب أن تتولى الإشراف على تقييم النماذج الجديدة، في معركة وُصفت بأنها "حرب سكاكين" داخل الإدارة، نظراً لما يمثله الذكاء الاصطناعي من نفوذ اقتصادي وأمني هائل.

وترى وزارة التجارة أنها الجهة الأنسب لقيادة هذا الملف، بعدما طورت مراكز متخصصة لتقييم النماذج واستقطبت خبراء بارزين في الذكاء الاصطناعي، بينما يدفع مسؤولون أمنيون نحو منح أجهزة الاستخبارات صلاحيات أوسع، بسبب المخاطر السيبرانية والأمنية المتزايدة.

مخاوف متصاعدة

وتزايدت حدة الجدل بعد الإعلان عن نموذج "Mythos"، إذ أثار مخاوف واسعة داخل البيت الأبيض بعد تقارير أشارت إلى تفوقه على البشر في اكتشاف الثغرات البرمجية.

وتخشى الإدارة الأمريكية من إمكانية استخدام هذه القدرات في شن هجمات إلكترونية معقدة تستهدف شبكات الطاقة والبنوك والوكالات الحكومية، حتى من قبل قراصنة محدودي الخبرة.

وفي مواجهة هذه المخاطر، اقترح مكتب المدير الوطني للأمن السيبراني إنشاء مركز ضخم داخل مكتب مدير الاستخبارات الوطنية لتقييم النماذج الجديدة، وهو ما يمنح مجتمع الاستخبارات دوراً محورياً في رسم سياسات الذكاء الاصطناعي.

بعد التهديد والابتزاز.. كيف بررت أنثروبيك انحراف نموذج "Claude" عن مساره؟ - موقع 24كشفت شركة "أنثروبيك" (Anthropic) عن نتائج مثيرة تتعلق بسلوك نماذجها، موضحةً أن التصورات الخيالية للذكاء الاصطناعي بوصفه كياناً شريراً وساعياً إلى البقاء، تركت أثراً واقعياً على استجابات النماذج البرمجية.

مواجهة مع وزارة التجارة

ولكن هذه الخطوة واجهت اعتراضات من وزارة التجارة، التي تمتلك بالفعل مركزاً متخصصاً لاختبار النماذج عبر اتفاقيات طوعية مع الشركات التقنية. 

وترى الوزارة أن بنيتها التحتية الحالية وخبراءها المؤهلين، يجعلونها الأقدر على قيادة عمليات التقييم، خاصة أنها تتبنى نهجاً داعماً للشركات الأمريكية بهدف الحفاظ على تفوقها في مواجهة الصين.

وفي المقابل، يخشى البعض داخل الإدارة من أن يؤدي نقل الاختبارات إلى أجهزة الاستخبارات إلى فرض رقابة أكثر تشدداً على شركات التكنولوجيا، مع التركيز بصورة أكبر على مخاطر الأمن القومي.

مخاوف أمنية تدفع البيت الأبيض لفرض رقابة على نماذج الذكاء الاصطناعي - موقع 24أثار التطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، حالة قلق متزايدة داخل البيت الأبيض، بعدما حذّر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس من أن تقنيات جديدة قادرة على اكتشاف الثغرات البرمجية بشكل ذاتي، قد تهدد البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة.

ارتباك داخلي 

وأدى الإعلان عن "Mythos" إلى إعادة فتح النقاش داخل الإدارة، حول سياسة التساهل التنظيمي تجاه الذكاء الاصطناعي، بعد أن ألغى ترامب العديد من الإجراءات التي كانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد وضعتها لتنظيم القطاع.

وقال كريس ماكغواير، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي، إن "الإدارة تعيد مناقشة كل شيء يتعلق بسياسات الذكاء الاصطناعي، بدءاً من الاختبارات الطوعية، ووصولاً إلى فرض قيود إلزامية على النماذج قبل إطلاقها".

شركات التكنولوجيا تستثمر 725 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي - موقع 24تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة إلى واحدة من أضخم موجات الاستثمار في تاريخها، مع ضخ نحو 725 مليار دولار في مشاريع الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعيد تشكيل أولويات القطاع، لكنها في الوقت ذاته تضغط بقوة على السيولة المالية لهذه الشركات وفق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز".

وفي مؤشر على التوتر القائم، أزال مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي التابع لوزارة التجارة موقعاً إلكترونياً كان يعلن عن شراكات لاختبار نماذج من شركات "مايكروسوفت"، و"غوغل"، و"إكس إيه آي"، بعد اعتراضات من مكتب الأمن السيبراني في البيت الأبيض.

كما كشفت المناقشات عن انقسام واضح، بشأن ما إذا كان ينبغي إلزام الشركات بإخضاع نماذجها للاختبارات الحكومية، أو الاكتفاء بالمشاركة الطوعية كما هو معمول به حالياً.

سباق أمريكي صيني متسارع

ويأتي هذا الجدل في وقت تستعد فيه شركات أمريكية لمواجهة منافسة صينية متزايدة، مع توقعات بإطلاق شركات صينية نماذج تضاهي قدرات نموذج "Mythos" الذي طورته شركة "أنثروبيك"، إلى جانب نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة أخرى.

كما يعزز الصراع حالة الارتباك في واشنطن حيال مستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تزايد المخاوف من الاستخدامات الأمنية للنماذج المتقدمة، وفي ظل احتدام المنافسة التكنولوجية مع الصين.