لم تعد العلاقات الإماراتية الهندية في قطاع الطاقة مجرد معادلة تجارية تقليدية تقوم على منطق "البائع والمشتري"؛ بل تحوّلت على مدار السنوات الماضية إلى نموذج فريد للشراكات الاستراتيجية الشاملة في قارة آسيا.

وفي وقت يعيش فيه العالم اضطرابات جيوسياسية واقتصادية متلاحقة، برزت دولة الإمارات كصمام أمان رئيسي لأمن الطاقة في الهند، بالتوازي مع قيادة البلدين لدفة التحول نحو الاقتصاد الأخضر عبر استثمارات ضخمة في التكنولوجيا النظيفة والهيدروجين.

الأمن النفطي والمخزون الاستراتيجي

​يمثل أمن الطاقة حجر الزاوية في خطط التنمية الطموحة لنيودلهي؛ وفي هذا الإطار، تلعب شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) دوراً محورياً غير مسبوق كشريك أجنبي وحيد وموثوق يستثمر في برنامج الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية للهند (ISPRL)، وهي شركة مملوكة للحكومة الهندية مكلفة بتخزين النفط الخام لحالات الطوارئ.

​و​تُعد منشأة التخزين تحت الأرض في "مانغالور" بولاية كارناتاكا تجسيداً عملياً لهذه الشراكة؛ حيث قامت "أدنوك" بتخزين ملايين البراميل من نفطها الخام هناك. وتستهدف الاتفاقية الحالية بين الشركتين استكشاف زيادة سعة تخزين "أدنوك" للنفط الخام في الهند لتصل إلى 30 مليون برميل. 

هذا التوسع لا يشمل فقط سعة التخزين الحالية في "مانغالور"، بل يمتد ليشمل فرص تخزين جديدة محتملة في مدينتي "فيساخاباتنام" و"تشاندِيخول"، مما يمنح الهند مرونة استراتيجية فائقة لتلبية الطلب المحلي الفوري في حالات الطوارئ.

​الفجيرة وسلاسل الإمداد الذكية

​ولأول مرة، تمتد الرؤية المشتركة لتستكشف إمكانية تخزين النفط الخام في إمارة الفجيرة ضمن الاحتياطي البترولي الاستراتيجي للهند. 

ولا تتوقف هذه الشراكة عند حدود النفط النقي، بل تبحث فرصاً محتملة لتخزين الغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المسال داخل الهند، وهي خطوة استباقية تعزز مرونة سلاسل الإمداد بين البلدين في ظل التحديات والاضطرابات التي يشهدها قطاع الشحن البحري العالمي.

​ اتفاقية CEPA وآفاق الاستثمار

​شكّلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، التي دخلت حيز التنفيذ في مايو (أيار) 2022، نقطة تحول جوهرية أعادت هيكلة التدفقات التجارية والاستثمارية بين البلدين، ووضعت قطاع الطاقة في قلب هذه الديناميكية الجديدة.

وضمن الرؤية الطموحة للبلدين، يستهدف الجانبان الوصول بحجم التبادل التجاري غير النفطي إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2032، وهو ما جعل أمن الطاقة الإماراتي امتداداً مباشراً للأمن الصناعي الهندي.

وبصفتها أول اتفاقية تجارية ثنائية عقدتها دولة الإمارات، والأولى بين الهند ودولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، شكّلت الاتفاقية إنجازاً متميزاً، حيث تتجسد أبعاد هذه الاتفاقية في مسارين متوازيين؛ المسار الأول يقوم على تقديم تسهيلات جمركية مرنة للنفط والغاز، من خلال إلغاء وخفض الرسوم الجمركية لتأمين المدخلات الصناعية والمواد الخام التي تحتاجها المصانع ومصافي التكرير الهندية بأسعار تنافسية. 

الإمارات والهند توقعان 9 اتفاقيات واستثمارات استراتيجية في الطاقة والدفاع والتكنولوجيا - موقع 24شهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، ودولة ناريندرا مودي، رئيس وزراء جمهورية الهند، اليوم الجمعة، تبادل عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم تهدف إلى توسيع آفاق التعاون بين البلدين وتطويره، في إطار الشراكة الإستراتيجية التي تجمع البلدين.

​وفي أحدث خطوات هذا التكامل، تبادلت "أدنوك" اتفاقية استراتيجية مع "مؤسسة النفط الهندية المحدودة" لتوسيع فرص توريد وتجارة وتداول غاز البترول المسال، بما يشمل إشراك شركة "أدنوك للتجارة العالمية". 

وتأتي هذه الخطوة استناداً إلى عقد التوريد المبرم بين الجانبين منذ عام 2023 والذي يجدد سنوياً، تمهيداً لتطوير اتفاقية بيع وشراء طويلة الأمد تعزز من كفاءة عمليات الشحن والتوريد المشترك.

أما المسار الثاني والمكمل له، فهو فتح ممرات استثمارية آمنة ومباشرة لتدفق رؤوس الأموال الإماراتية والصناديق السيادية نحو مشاريع البنية التحتية الهندية الكبرى.

​وبفضل هذا التكامل، نجح البلدان في ربط قطاع البتروكيماويات الإماراتي بقطاعات التصنيع الهندية الهادفة للتصدير، مما جعل أمن الطاقة الإماراتي امتداداً مباشراً للأمن الصناعي الهندي، وهو ما تمت ترجمته في قمم الأعمال المشتركة والزيارات الرسمية المتبادلة بين قيادتي البلدين لتعزيز مرونة سلاسل التوريد في القارة الآسيوية.

​ ممر (دبي - نيودلهي) الأخضر

​مع التزام الإمارات بتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، وتعهد الهند بالوصول إليه بحلول عام 2070، وجد البلدان أرضية مشتركة صلبة لتأسيس ممر عالمي للطاقة النظيفة، تقوده استثمارات رائدة في قطاعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر.

1-    ​ذراع "مصدر" الاستراتيجي في الهند

​تقود شركة أبوظبي لطاقة المستقبل (مصدر) هذا التحول عبر شراكات واستحواذات استراتيجية داخل السوق الهندي. 

واستثمرت الإمارات بكثافة في منصات الطاقة المتجددة بالهند (مثل الاستثمار في شركات مثل Hero Future Energies وغيرها)، لدعم خطة الهند الطموحة لإنتاج 500 غيغاواط من الطاقة غير الأحفورية.

2-    ​تحالف الهيدروجين الأخضر والأمونيا

​يركز التعاون الحالي على تطوير منشآت لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، بهدف تلبية احتياجات السوق الهندي الضخم، وإنتاج وقود نظيف مخصص للتصدير للأسواق العالمية عبر الممرات البحرية المشتركة. 

ويتكامل هذا بشكل وثيق مع المبادرة الهندية الطموحة "شبكة واحدة، عالم واحد، شمس واحدة" (OSOWOG)، التي تحظى بدعم وتأييد إماراتي كامل لتوصيل شبكات الطاقة النظيفة عبر الحدود.