ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أن مدينة لندن، التي كانت يوماً ما توصف بأنها "مركز العالم"، تواجه حالياً حالة من الركود الاقتصادي وتراجع الجاذبية، حيث تضافرت آثار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وجائحة كورونا، وارتفاع تكاليف المعيشة، لتجعل العاصمة البريطانية أقل حيوية ونمواً عما كانت عليه قبل عقد من الزمان.

تراجع معدلات النمو والإنتاجية

بحسب "فايننشال تايمز"، فإن اقتصاد لندن نما في السنوات الأربع الماضية بمعدل يعادل عُشر ما كان عليه قبل 20 عاماً، كما تباطأ النمو السكاني بشكل ملحوظ، وانخفضت مستويات التوظيف وأسعار المنازل تحت وطأة أزمة تكاليف المعيشة.
وتشير الصحيفة إلى أن لندن، التي تولد ربع القيمة المضافة للاقتصاد البريطاني وخُمس الإيرادات الضريبية، لم تعد الوجهة المفضلة كما كانت، حيث أظهر استطلاع حديث أن أربعة من كل عشرة عاملين في "حي المال" يفكرون في مغادرة المملكة المتحدة.

إهمال سياسي وتحديات هيكلية

أشارت الصحيفة إلى أن السياسيين في بريطانيا باتوا يتعاملون مع لندن كأمر مفروغ منه، حيث يركزون استثماراتهم على مناطق الوسط والشمال، متجاهلين حقيقة أن تراجع إنتاجية العاصمة يمثل مشكلة وطنية كبرى. 
ووفقاً لخبراء نقلت عنهم "فايننشال تايمز"، فإن لندن تعرضت لسلسلة صدمات بدأت بالأزمة المالية عام 2008، ثم استفتاء "بريكست" عام 2016، وصولاً إلى الجائحة التي غيرت نمط العمل وجعلت أيام الجمعة في وسط المدينة "خاملة" بسبب العمل من المنزل، مما أضر بقطاع الضيافة والمطاعم بشكل كبير.

ضغوط المعيشة والضرائب

أوضحت "فايننشال تايمز" أن سكان لندن يشعرون بفقر متزايد رغم رواتبهم المرتفعة نسبياً، وذلك بسبب ارتفاع أسعار العقارات، وزيادة معدلات الفائدة على القروض العقارية، وارتفاع رسوم التأشيرات للمهاجرين.
ونقلت الصحيفة عن محللين أن "الضغط من الجانبين"، الذي يتمثل في ارتفاع التكاليف وانخفاض فوائد الاستثمار، يهدد بخلق حلقة مفرغة من تراجع الدخل الحقيقي وانخفاض الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما دفع بعض المستثمرين للبحث عن فرص في أماكن أخرى.

منافسة إقليمية ودولية

لفتت الصحيفة إلى أن لندن بدأت تفقد مكانتها لصالح مدن بريطانية أخرى مثل مانشستر، التي نمت إنتاجيتها وسكانها وأسعار منازلها بشكل أسرع من العاصمة منذ عام 2016. 
وعلى الصعيد الدولي، تواجه لندن منافسة شرسة من عواصم آسيوية ومدن أمريكية، ورغم أنها لا تزال تحتفظ بمركز متقدم في مؤشرات رأس المال البشري، إلا أن القيود الجديدة على الهجرة ونقص الإسكان الميسر يعيقان قدرتها على جذب المواهب الشابة والباحثين الدوليين.

بصيص أمل وقدرة على الصمود

رغم القتامة، ترى "فايننشال تايمز" أن هناك نقاطاً مضيئة، مثل توسع شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى في لندن، واستمرار جاذبية قطاع المسارح والتقنيات المالية.
ويؤكد المسؤولون في بلدية لندن أن المدينة لا تزال تمتلك تنوعاً وقطاعات واسعة تجعلها تنافس نيويورك كمركز عالمي، ونقلت الصحيفة عن خبراء تاريخيين أن لندن، التي صمدت لقرون، تمتلك القدرة دائماً على البقاء والتعافي رغم تراجع وتيرة نموها في الوقت الراهن.