في وقت تشهد فيه بعض المناطق في الإمارات تفاوتاً ملحوظاً في أسعار الإيجارات والعقارات، يتساءل بعض السكان عن الآلية التي يتم من خلالها تحديد القيمة الإيجارية أو سعر بيع العقار، خاصة مع وجود فروقات كبيرة أحياناً بين وحدات تبدو متشابهة من حيث المساحة أو عدد الغرف وحتى الموقع.
ويؤكد متخصصون في القطاع العقاري، أن أسعار العقارات لا تُحدد بشكل عشوائي، بل تعتمد على مجموعة واسعة من العوامل المرتبطة بالموقع، وحجم الطلب، وجودة المشروع، والخدمات المتوفرة، إضافة إلى حركة السوق والمؤشرات التنظيمية الرسمية.
الموقع والعرض والطلب
ويعتبر الموقع الجغرافي من أبرز العناصر التي تتحكم في أسعار العقارات، إلى جانب حركة السوق العقاري وحجم الإقبال على السكن أو الاستثمار في كل منطقة.
ورداً على استفسارات 24 حول هذه الظاهرة، قال الدكتور جمال السعيدي، خبير اقتصادي ومستشار في ريادة الأعمال، إن "أسعار البيع والقيم الإيجارية للعقارات تتحدد بناءً على عدة عوامل رئيسية، أبرزها الموقع الجغرافي، وقرب العقار من مراكز الأعمال والخدمات ووسائل النقل، إضافة إلى مساحة الوحدة، وجودة البناء، وعمر العقار، ومستوى التشطيبات والصيانة.
وأضاف السعيدي، أن "سمعة المنطقة ونسبة الإشغال وتوفر المرافق مثل مواقف السيارات، والأمن، والمناطق الترفيهية، تلعب أيضاً دوراً مهماً في التسعير، إلى جانب حركة السوق العقاري وحجم الطلب والمعروض والاستثمارات المحلية والأجنبية".
وفي ظل التوسع العمراني الذي تشهده الإمارات، تبقى العلاقة بين العرض والطلب المحرك الأساسي لحركة الأسعار، سواء في البيع أو الإيجار.
وأوضح السعيدي، أن "ارتفاع الطلب مع محدودية المعروض يؤدي عادة إلى زيادة الأسعار والقيم الإيجارية، بينما يساهم ارتفاع عدد الوحدات المتاحة في تحقيق توازن أكبر واستقرار نسبي في السوق".
وأشار إلى أن "الطلب في الإمارات يرتبط أيضاً بعوامل اقتصادية وسكانية متعددة، مثل النمو السكاني، وتوسع الأعمال، وحركة الاستثمارات، إضافة إلى سياسات الإقامة والتملك التي ساهمت خلال السنوات الماضية في تعزيز جاذبية السوق العقاري".
الخدمات وجودة الحياة
ومع تطور المشاريع السكنية الحديثة، لم تعد المساحة وحدها العامل الأساسي بالنسبة لكثير من المستأجرين، بل أصبحت جودة الحياة والخدمات المحيطة بالعقار جزءاً مهماً من قرار السكن.
وفي هذا السياق، لفت الدكتور جمال السعيدي، إلى أن "الخدمات والمرافق أصبحت في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من المساحة نفسها، خاصة في المدن الحديثة والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث بات المستأجر أو المشتري يبحث عن بيئة متكاملة وجودة حياة أعلى أكثر من التركيز على حجم الوحدة فقط".
وفي المقابل، تلعب المؤشرات التنظيمية دوراً مهماً في ضبط السوق وتحقيق التوازن بين المالك والمستأجر، خصوصاً في ما يتعلق بالزيادات الإيجارية.
وأكد الخبير الاقتصادي، أن "المؤشرات الرسمية أصبحت مرجعاً أساسياً لتنظيم الزيادات الإيجارية وتحقيق الشفافية في السوق"، مشيراً إلى أن بعض إمارات الدولة تعتمد على مؤشرات رسمية تستند إلى متوسطات السوق والعقود المسجلة لتحديد نسب الزيادة المسموح بها، ما يساهم في الحد من الزيادات العشوائية وتعزيز استقرار القطاع العقاري".
اختلاف الأسعار داخل المبنى الواحد
ورغم تشابه بعض الوحدات السكنية من حيث المساحة أو التصميم، إلا أن الأسعار قد تختلف أحياناً بشكل واضح حتى داخل المبنى نفسه، نتيجة عوامل تفصيلية ترتبط بكل وحدة على حدة.
وبدوره، قال مزيان الجمال، مدير إدارة الأصول والتأجير في شركة عقارية بأبوظبي، إن "اختلاف الأسعار بين وحدات متشابهة يعود أحياناً إلى تفاصيل قد لا تكون واضحة للمستأجر، مثل الإطلالة، والطابق، ومستوى الصيانة، وتجديد الوحدة، فضلاً عن توقيت توقيع العقد وحجم الطلب على العقارات في المنطقة خلال الفترة نفسها".
وأضاف أن "قرب العقار من المدارس، ووسائل النقل، ومراكز الأعمال، يعد من أبرز العناصر التي تؤثر بشكل مباشر في القيمة الإيجارية، إلى جانب جودة التشطيبات والخدمات المتوفرة داخل المشروع".
المرافق الحديثة
ومع تزايد المنافسة بين المشاريع العقارية، أصبحت المرافق والخدمات الحديثة من العوامل التي تمنح بعض العقارات أفضلية واضحة في السوق.
وقال الجمال، إن "عمر المبنى والخدمات المتوفرة أصبحا من العوامل الأساسية في تسعير العقارات، لافتاً إلى أن المشاريع التي تضم مرافق مثل المسابح، والصالات الرياضية، ومواقف السيارات، وخدمات الأمن والصيانة، غالباً ما تحافظ على قيم إيجارية أعلى مقارنة بالمباني التقليدية".
وأشار إلى أن "المستأجرين باتوا اليوم أكثر اهتماماً بجودة الحياة والخدمات المحيطة بالعقار، وليس فقط بمساحة الوحدة أو عدد الغرف"، موضحاً أن كثيراً من السكان يفضلون السكن في مشاريع توفر بيئة متكاملة وخدمات يومية حتى وإن كانت التكلفة أعلى نسبياً.
ويرى متخصصون أن استمرار النمو السكاني وتوسع المشاريع الاقتصادية والاستثمارية في الإمارات سيبقي القطاع العقاري من أكثر القطاعات نشاطاً، في وقت أصبحت فيه جودة الخدمات والموقع والمرافق عناصر رئيسية في تحديد القيمة الحقيقية للعقار، سواء للبيع أو الإيجار.