يترقب المستثمرون داخل بورصة "وول ستريت" تغييرات جوهرية في أسعار الفائدة، مع بدء ولاية كيفين وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، حيث تشير المعطيات إلى أن "تغيير النظام المالي للاقتصاد الأمريكي، وتفكيك الميزانية العمومية التي تضخمت على مدار 18 عاماً من مواجهة الأزمات، سيكون الهدف الرئيسي لوارش خلال السنوات المقبلة.
ووفقاً لمقابلات أجرتها شبكة "سي إن بي سي" مع مسؤولين سابقين في الفيدرالي وخبراء اقتصاد، فإن وارش يتجه نحو تقليص الدور اليومي للبنك المركزي في أسواق المال، ووضع قواعد أكثر صرامة ووضوحاً للتدخل في أوقات الطوارئ فقط.
معركة الميزانية العمومية
ويتمحور الخلاف الأساسي في أروقة القرار المالي حول إدارة الميزانية العمومية للفيدرالي، والتي تبلغ حالياً 6.8 تريليون دولار حيث يعمل النهج الحالي على استخدام الميزانية كأداة دورية لتوجيه الشروط المالية ودعم الأسواق، عبر شراء السندات والرهون العقارية، أما نهج وارش المرتقب سيسعى لحصر استخدام هذه الميزانية فقط في فترات الاختلال الحاد في الأسواق والضغوط الاقتصادية.
وتاريخياً، كان الفيدرالي يدير ميزانية "ضئيلة" لا تتعدى 800 مليار دولار قبل أزمة 2008، لكنها قفزت في ذروتها إلى 9 تريليونات دولار، وتستقر اليوم عند ما يعادل 23% من حجم الاقتصاد الأمريكي أي ما يعادل 7 أضعاف مستويات ما قبل الأزمة، وأي محاولة لتغيير هذا النظام سيؤدي إلى ارتدادات واسعة النطاق تؤثر مباشرة على عوائد سندات الخزانة، وأسعار الفائدة العقارية، والقطاعات الحساسة للفائدة.
وفي هذا الصدد، يرى "لو كراندال"، كبير الاقتصاديين في Wrightson ICAP، أن هذا الملف سيكون محور نقاش ساخناً في وقت لاحق من هذا العام، مؤكداً أن التغيير لن يحدث سريعاً بل هو "مشروع متوسط المدى" يتطلب تنفيذه بعناية ووقت طويل. وكان وارش قد وصف الميزانية العمومية في مقال سابق بأنها "متضخمة" ويمكن تقليصها بالتزامن مع خفض أسعار الفائدة.
إعادة كتابة قواعد اللعبة
ويطرح الاقتصاديون سيناريوهات مثيرة لكيفية إدارة وارش للسياسة النقدية، ويرى "ستيف بليتز"، كبير اقتصاديي الولايات المتحدة في مؤسسة TS Lombard، أن فيدرالي وارش قد يمنح وزناً أكبر لـ سوق إعادة الشراء لليلة واحدة وهو ما يعرف باسم (Repo Market) – وهو نظام التمويل قصير الأجل الذي يرتكز عليه سوق سندات الخزانة بدلاً من الاعتماد التقليدي على "سعر الأموال الفيدرالية، الذي تقترضه البنوك من بعضها.
وهذا التحول قد يخلق ديناميكية مثالية سياسياً واقتصادياً مما يتيح لوارش إرضاء رغبة الرئيس دونالد ترامب في خفض أسعار الفائدة الظاهرية، بينما يحافظ في الوقت نفسه على شروط تمويلية مشددة لمواجهة الضغوط التضخمية المستمرة.
وأشارت الشبكة الأمريكية إلى أن المساعي الرامية لتقليص الميزانية ستواجه مقاومة سريعة داخل الفيدرالي. حيث حذر حاكم الفيدرالي "مايكل بار" في خطاب له مؤخراً من أن التركيز فقط على حجم الميزانية يعد نظرة قاصرة قد "تقوض مرونة البنوك، وتعيق عمل أسواق النقد، وتهدد الاستقرار المالي"، بل قد تؤدي لنتائج عكسية تزيد من تقلبات السوق.
وتعتمد الآلية الحالية للفيدرالي على نظام "الاحتياطيات الوافرة"، وهو ضخ سيولة رقمية في البنوك مقابل شراء الأصول. في المقابل، يلمح وارش إلى إمكانية العودة لنظام "الاحتياطيات الشحيحة" الذي كان سائداً قبل الأزمات، مع التدخل لضخ السيولة عند الحاجة فقط. وهو تحول يراه "بيل إنغليش"، رئيس الشؤون النقدية السابق في الفيدرالي والبروفيسور الحالي في جامعة ييل، أمراً ممكناً ولكنه "معقد ويتطلب وقتاً طويلاً لتنفيذه بعناية".
وينتقد خبراء عدم قيام الفيدرالي تاريخياً بوضع قواعد واضحة ومحددة لعمليات التيسير الكمي أو التشديد الكمي، حيث تقول "لوريتا ميستر"، الرئيسة السابقة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند: "الفيدرالي لم يقم بعمل جيد بمرور الوقت في التمييز والشرح للقواسم المشتركة بين شراء الأصول لأسباب تتعلق بالسياسة النقدية أو لدعم استقرار السوق".
وهنا تكمن فرصة وارش الكبرى: استخدام لغة تواصل جديدة لتقليص توقعات الأسواق بأن البنك المركزي سيعمل دائماً على ضخ السيولة بلا حدود كلما شعرت "وول ستريت" بالذعر، وهو ما قد يدعم أيضاً التوجهات التنظيمية الجديدة التي تدعمها نائبة رئيس الفيدرالي للرقابة المصرفية "ميشيل بومان" لتخفيف بعض القيود على البنوك.