قالت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، إن الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة، الذين كانوا مستعدين في البداية لتقبل إرادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقبول أسلوبه الفريد في القيادة العالمية، بدأوا تدريجياً في الاستعداد للتخلي عن الاعتماد الكلي على واشنطن، بعد أن زعزعت صفقات ترامب وتصرفاته ثقة القارة.

تآكل التحالف التقليدي

بحسب فورين بوليسي، سارع قادة أوروبيون مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، لاسترضاء ترامب عبر عرض زيارة دولة ثانية، كما ذهب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إلى حد وصف ترامب بـ "دادي" في قمة الحلف عام 2025.

وأشارت المجلة إلى أنه على الرغم من ذلك، إلا أن ترامب استمر استمر في مهاجمة الحلفاء، مما دفع الأوروبيين للرد بالمثل بعد عقود من "التبعية" للسياسة الخارجية الأمريكية مقابل تمويل الأمن.

وتشير فورين بوليسي إلى أن الحسابات الأوروبية باتت أقل يقيناً الآن، متساءلة: "ما قيمة الترتيبات المريحة إذا سحب ترامب فجأة 5 آلاف جندي من ألمانيا أو فرض رسوم جمركية بلا سبب؟.

السيادة الاستراتيجية و"الاستقالة الهادئة"

ذكرت المجلة أن عودة ترامب للمكتب البيضاوي حفزت زيادة في الإنفاق الدفاعي من أعضاء حلف الناتو، حيث سدت الدول الأوروبية فجوة الإنفاق الأمريكي على أوكرانيا، ووقعت المملكة المتحدة صفقة أدوية مع ترامب ستكلف خدمة الصحة العامة أكثر من 4 مليارات دولار سنوياً. 

ووفقأ للمجلة، على رغم استخدام القواعد العسكرية الأوروبية في العمليات ضد إيران، إلا أن البيت الأبيض أبقى القادة الأوروبيين خارج دائرة القرار، مما دفع أوروبا لبدء عملية "استقالة هادئة" من التحالف عبر الأطلسي.

وأوضحت فورين بوليسي أن أوروبا بدأت في اتخاذ قرارات طويلة الأجل لاستعادة سيادتها الاستراتيجية؛ حيث اختار البنك المركزي الهولندي مزود الحوسبة السحابية الألماني Stackit بدلاً من "أمازون"، واختارت وزارة الدفاع الدنماركية شراء نظام الدفاع الجوي الإيطالي الفرنسي "SAMP/T" بدلاً من بطاريات "باتريوت" الأمريكية، وهي خطوات تعكس تراجع الموثوقية الأمريكية في ظل "الترامبية".

تحالفات جديدة ونظام دولي بديل

أشارت المجلة إلى ظهور "ائتلاف الراغبين" (COW)، وهو مشروع تقوده بريطانيا وفرنسا ويضم 35 دولة، بما في ذلك اليابان وأستراليا وكندا، يهدف لدعم أوكرانيا وتعزيز الأمن الأوروبي. 

ونقلت عن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قوله، إن "النظام الدولي سيُعاد بناؤه، ولكن انطلاقاً من أوروبا"، مؤكداً أن أوكرانيا، التي تمتلك حالياً القوات المسلحة الأكثر خبرة وفعالية في العالم، ستكون جزءاً رئيساً من أي تحالف أوروبي مستقبلي.

وفق التقرير، بدأ أعضاء هذا الائتلاف بالفعل التعاون في مشاريع مثل طائرات الجيل القادم اليابانية، حيث لجأت طوكيو لشركاء أوروبيين بدلاً من الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، بدأت خطة الاتحاد الأوروبي "القروض مقابل الأسلحة" بقيمة 150 مليار يورو تؤتي ثمارها، حيث تستعد بولندا وليتوانيا لتوقيع اتفاقيات بقيمة 50 مليار يورو.

وترى فورين بوليسي أن التحولات الجيوسياسية تتحرك ببطء، لكن بعد عشر سنوات من فوز ترامب في المرة الأولى، أجبرت نوبات الغضب المستمرة السفينة على تغيير مسارها، وسيكون من الصعب جداً إقناع الحلفاء بالعودة إلى المسار القديم.