تواجه صناعة الترفيه الأمريكية موجة جديدة من القلق بعد التحليلات التي رافقت صفقة اندماج "باراماونت سكاي دانس" و"وارنر براذرز ديسكفري"، التي توصف بأنها واحدة من أكبر عمليات الدمج في تاريخ قطاع الإعلام، وسط تحذيرات من أن الكيان الجديد سيبدأ مسيرته مثقلاً بديون صافية تقترب من 79 مليار دولار.
وكشفت تقديرات نشرتها مجلة هوليوود ريبورتر أن الشركة المندمجة ستعتمد على تدفقات نقدية حرة سنوية لا تتجاوز نحو 3 مليارات دولار، وهو ما يثير تساؤلات واسعة حول قدرتها على تحمل أعباء الديون الضخمة وتمويل استثماراتها المستقبلية في الأفلام والمسلسلات وخدمات البث الرقمي.
تكرار السيناريوهات الكارثية
وتعيد الصفقة إلى الأذهان موجة الاندماجات الكبرى التي شهدتها هوليوود خلال السنوات الماضية، أبرزها استحواذ ديزني على أصول "21st Century Fox" في عام 2019 في صفقة بلغت قيمتها 71.3 مليار دولار، والتي أعقبها تسريح آلاف الموظفين وإعادة هيكلة واسعة للعمليات التشغيلية.
كما واجه اندماج "وارنر ميديا" و"ديسكفري" تحديات مماثلة دفعت الشركة إلى خفض النفقات وتقليص الإنفاق على المحتوى.
وبحسب التحليل، تتضمن الصفقة الحالية قرضاً انتقالياً قصير الأجل بقيمة 49 مليار دولار يتعين إعادة تمويله خلال أقل من عام، فيما قد تصل مدفوعات الفوائد السنوية إلى ما بين 5 و6 مليارات دولار، وهو رقم يلتهم جزءاً كبيراً من الأرباح التشغيلية المتوقعة للكيان الجديد.
من جانبه، قال جوزيف إم. سينغر، المسؤول التنفيذي السابق في استوديوهات هوليوود والمصرفي الاستثماري والمنتج السينمائي، إن التوسع القائم على الاقتراض المكثف لا يعكس بالضرورة قوة مالية، بل قد يخفي هشاشة هيكلية تهدد استقرار الشركة على المدى الطويل.
الحسابات الرقمية وتداعياتها الهيكلية
ويرى محللون أن تحقيق الوفورات الموعودة من الصفقة، والتي تقدر بنحو 6 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات، قد يعتمد بشكل أساسي على خفض أعداد الموظفين وتقليص النفقات التشغيلية، وهو ما قد يؤثر على آلاف العاملين بشكل مباشر، إضافة إلى شركات المؤثرات البصرية والإنتاج وما بعد الإنتاج وسلاسل التوريد المرتبطة بصناعة الترفيه.
كما يُتوقع أن يؤدي عبء خدمة الديون إلى تقليص الإنفاق على المشاريع الجديدة، خاصة الأفلام متوسطة الميزانية والمسلسلات الأصلية، في وقت تعتمد فيه هوليوود على هذه الأعمال للحفاظ على تنوع الإنتاج واستمرارية المواهب الإبداعية.
ويشير مراقبون إلى أن الكيان الجديد سيجمع تحت مظلته منصتي البث "Paramount+" و"Max"، إضافة إلى مكتبات ضخمة من المحتوى وشبكات توزيع واسعة، ما قد يقلص مستويات المنافسة في السوق ويحد من الخيارات المتاحة أمام المبدعين والمنتجين المستقلين.
كلفة إنسانية يدفعها صناع الإبداع
ورغم الترحيب الأوّلي الذي أبدته الأسواق المالية بالصفقة، فإن خبراء الصناعة يحذرون من أن الحماس قد يتراجع مع بدء مواجهة التحديات المالية الفعلية، خاصة إذا تحولت خطط خفض التكاليف إلى موجة جديدة من تسريح الموظفين وإلغاء المشاريع.
وبينما يروّج قادة الشركتين لفوائد الاندماج وقدرته على تعزيز الامتيازات الترفيهية الكبرى وتوسيع نطاق التوزيع العالمي، تتزايد المخاوف داخل أروقة هوليوود من أن تتحول "قنبلة الديون" البالغة 79 مليار دولار إلى عبء يهدد الوظائف والإنتاج الإبداعي، وربما يضعف المنظومة التي تعتمد عليها صناعة السينما والتلفزيون الأمريكية بأكملها.