تتجه الاستثمارات العالمية في قطاع الهيدروجين الجيولوجي، أو ما يُعرف بـ"الهيدروجين الأبيض"، إلى اختبار حاسم بين وعود الطاقة النظيفة عالية الكفاءة ومخاطر الاستكشاف غير المضمونة، في وقت يواصل فيه هذا القطاع جذب مئات الملايين من الدولارات رغم غياب إنتاج تجاري واسع النطاق حتى الآن.
جذبت الشركات الناشئة في هذا القطاع استثمارات تتجاوز 500 مليون دولار دون وجود إنتاج تجاري فعلي واسع النطاق
رهان اقتصادي ضخم
ويشهد الهيدروجين الأبيض جدلاً متصاعداً داخل مجتمع تقنيات المناخ، باعتباره أحد أكثر المسارات إثارة للجدل خلال العقد الأخير، إذ يقوم على فرضية وجود الهيدروجين بشكل طبيعي في باطن الأرض، ما قد يتيح إنتاجه بتكلفة تقل عن دولار واحد لكل كيلوغرام، وهو مستوى سعري إذا تحقق فعلياً قد يفتح الباب أمام استخدامه على نطاق واسع في قطاعات مثل الأسمدة وصناعة الصلب والشحن وتوليد الطاقة.
في المقابل، لا تزال تكلفة الهيدروجين الأخضر تتراوح عالمياً بين 4 و12 دولاراً للكيلوغرام، ما يجعل الفجوة الاقتصادية كبيرة لصالح أي بديل منخفض التكلفة.
ومع تقديرات تشير إلى إمكانية وصول سوق الهيدروجين العالمي إلى تريليون دولار بحلول عام 2050، فإن السباق على إنتاجه بكلفة منخفضة ومستدامة يمثل فرصة استثمارية ضخمة.
"صندوق شرودنغر" في باطن الأرض
ويكمن التحدي الجوهري في هذا المجال في أن اكتشاف الهيدروجين الطبيعي لا يمكن تأكيده إلا عبر الحفر، وهي عملية مكلفة وغير مضمونة النتائج، ما يجعل القطاع أقرب إلى "رهان جيولوجي" عالي المخاطر.
ويُشبه بعض الخبراء الهيدروجين الجيولوجي بما يُعرف بـ"تجربة شرودنغر"، إذ لا يمكن التأكد من وجوده إلا بعد فتح الصندوق عبر الحفر الفعلي، على عكس النفط والغاز، مستفيدين من عقود من الأبحاث الزلزالية التي توفر لهم رؤية واضحة ونسبة يقين مرتفعة قبل بدء الحفر.
ويتطلب تشكّل الهيدروجين تحت الأرض توافر ظروف جيولوجية دقيقة تشمل مصدر الصخور ومسارات الهجرة والمصائد الجيولوجية والطبقات العازلة، وحتى في حال توفرها قد تستهلك الكائنات الدقيقة في الطبقات السطحية ما يصل إلى 90% من الهيدروجين قبل وصوله إلى الآبار.
نموذج وحيد لا يكفي للحكم
ورغم محدودية البيانات، يبقى نموذج حقل "بوراكبوجو" في مالي التابع لشركة Hydroma المثال التجاري الوحيد القائم حتى اليوم، حيث يتم تشغيل قرية محلية بالكامل منذ عام 2011 عبر هيدروجين طبيعي عالي النقاء، إلا أن هذا النموذج يظل حالة فردية لا ترقى إلى قاعدة علمية أو تجارية قابلة للتكرار على نطاق واسع.
ورغم هذه الضبابية، جذبت الشركات الناشئة في هذا القطاع استثمارات تتجاوز 500 مليون دولار دون وجود إنتاج تجاري فعلي واسع النطاق، من بينها شركة Koloma الأمريكية التي جمعت قرابة 400 مليون دولار بدعم من صناديق استثمار كبرى، بينما تواصل شركات مثل Snowfox Discovery في المملكة المتحدة وMantle8 في فرنسا جمع تمويلات جديدة لتوسيع برامج الاستكشاف والحفر التجريبي.
من الاستكشاف إلى تصنيع الهيدروجين
وفي موازاة ذلك، بدأ مسار آخر في الظهور يقوم على تصنيع الهيدروجين الأبيض بدلاً من البحث عنه، عبر تحفيز التفاعلات الجيولوجية نفسها داخل الصخور الغنية بالحديد، حيث تتفاعل المياه مع معادن الأوليفين لإنتاج الهيدروجين.
لكن هذا الاتجاه لا يخلو من المخاطر، إذ لا يُلغي التحديات الجيولوجية بل يعيد تشكيلها، حيث يتحول السؤال من "هل يوجد هيدروجين تحت الأرض؟" إلى "هل يمكن إنتاجه بكفاءة تجارية؟"، في ظل غياب نماذج تشغيلية ناجحة حتى الآن، واعتماد التقديرات الاقتصادية على بيانات مختبرية لم تُختبر بعد على نطاق صناعي.
ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبقى القطاع أمام اختبار حاسم خلال العامين المقبلين، مع ترقب نتائج الحقول التجريبية في كندا والولايات المتحدة وسلطنة عمان، والتي ستحدد ما إذا كان الهيدروجين الجيولوجي يمثل ثورة طاقية قادمة، أم مجرد رهان جيولوجي مبالغ في تفاؤله.