شهدت الأسواق العالمية موجة بيع جماعي شملت الأسهم والمعادن والعملات الرقمية، مدفوعة بـ "تسييل المراكز الإجباري" (Margin Calls) لتغطية الخسائر، مما أدى لقفزة بـ 40% في مؤشر "الخوف" (VIX) الذي اندفع ليصل إلى مستوى 21.51 نقطة صعوداً من مستواه السابق عند 15.87 نقطة.

ومؤشر الخوف هو أداة مالية تُستخدم لقياس مدى توقعات المستثمرين لحجم التقلبات والاضطرابات في سوق الأسهم الأمريكية. وتتم إدارة هذا المؤشر من قِبل "بورصة شيكاغو لعقود الخيارات".

وتسبب هذا الذعر في هبوط الذهب بأكثر من 3% ليستقر عند سعر 4327.89 دولاراً للأونصة، والبيتكوين بأكثر من 3% ليهبط أسبوعياً بنحو 16.9% مستقراً عند 60,923.96 دولاراً، وناسداك بنحو 5% لينهي تعاملاته عند 25,709.43 نقطة، في تحول جذري للسيولة نحو الكاش كملجأ أخير.

تصفية شاملة للأصول

وكانت موجة التراجع الحاد شملت كل القطاعات المالية، ولم تفرّق هذه الهزة العنيفة بين الأصول عالية المخاطر والملاذات الآمنة التقليدية؛ حيث امتدت الخسائر لتطال المعادن الثمينة التي عانت من ضغوط بيعية مكثفة، فسجلت الفضة انهياراً أشد قسوة بتراجع بلغت نسبته 8.28% لتغلق في نهاية الأسبوع عند مستوى 67.58 دولاراً للأونصة، وهو أمر يراه المحللون دليلاً قاطعاً على أن الذعر الحالي دفع الجميع للتخلي عن كل شيء مقابل حيازة النقد الصافي لحماية مراكزهم المالية.
 ولم يكن قطاع الطاقة بمعزل عن هذا الاضطراب الشامل، إذ فقد النفط قرابة 3% من قيمته وسط مخاوف متزايدة من تراجع الأنشطة الصناعية حول العالم.
 أما في سوق العملات المشفرة، فقد واجهت عملة الإيثريوم هبوطاً حاداً بلغت نسبته 7.4% لتستقر عند مستوى 1560.00 دولاراً، لتعكس عمق التراجع في الأصول الرقمية وضغوط تسييل السيولة التي طالت بروتوكولات التمويل اللامركزي.
وفي أسواق الأسهم القيادية، تراجع مؤشر إس آند بي 500 بنسبة 2.6% ليغلق عند 7383.74 نقطة، في الوقت الذي فقد فيه مؤشر داو جونز الصناعي نحو 695.15 نقطة لينهي تداولاته عند مستوى 50,866.78 نقطة في جلسة سادها التوتر الشديد والهروب الجماعي من المخاطر.

قفزة الأسعار القادمة قد تصدم الأسواق مع استنزاف مخزونات النفط العالمية - موقع 24تتجه مخزونات النفط العالمية إلى التراجع بشكل خطير مع تعذر التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، ويحذر مسؤولون تنفيذيون ومحللون في القطاع من احتمال حدوث صدمة أخرى في أسعار النفط خلال الأسابيع المقبلة، قد تكون شديدة بما يكفي لإحداث اضطراب في الأسواق المالية على النطاق الأوسع.

"التسييل القسري" وأوامر الهامش

ويرى خبراء المال والاقتصاد، أن هذا الانهيار الجماعي المتزامن للاسواق لا يعود إلى ضعف مفاجئ في الأداء الأساسي للشركات، بل هو نتاج سلوك مالي تقني بحت يرتبط بآليات السوق.
ويشير الخبراء، إلى أن الصناديق الاستثمارية الكبرى التي تعتمد على الرافعة المالية والأموال المقترضة واجهت خسائر مباغتة وضخمة في قطاع الأسهم. وبمجرد هبوط الأسعار دون مستويات معينة، طالبت البنوك الممولة والمقرضة هذه الصناديق بضخ سيولة نقدية فورية لتغطية حسابات الهامش.
 ولتلبية هذه الطلبات المستعجلة، اضطرت الصناديق مرغمة إلى بيع أفضل أصولها وأكثرها سيولة، وعلى رأسها الذهب والمشتقات المالية، مما أدى إلى تراجع الأصول التي يُفترض بها التحوط ضد الأزمات.
من جانب آخر، أكد الخبراء، أن التراجع تضاعف بفعل التداولات الخوارزمية والأنظمة الآلية. فبمجرد كسر المؤشرات الفنية لمستويات دعم رئيسية، تفعلت أوامر البيع التلقائية لإيقاف الخسائر لدى الحواسب العملاقة حول العالم في غضون أجزاء من الثانية، مما خلق حلقة مفرغة من البيع الذي يولد بيعاً أشد عنفاً، ما يفسر الارتفاع القياسي لمؤشر الخوف.

الحرب تهوي ببيتكوين إلى ما دون 60 ألف دولار - موقع 24عمّقت عملة "بيتكوين" خسائرها خلال تعاملات اليوم الجمعة، لتتراجع إلى أدنى مستوياتها منذ أكتوبر(تشرين الأول) 2024، في موجة بيع واسعة ضربت سوق العملات المشفرة نتيجة استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

العملة النقدية السائلة

في الأوقات الطبيعية، عندما تنخفض الأسهم، يرتفع الذهب كأداة تحوط تقليدية، لكن في هذه الموجة المحددة، انفك هذا الارتباط تماماً. 
ويشير محللو السلع، إلى أن المستثمرين في لحظات الذعر القصوى لا يبحثون عن أصول بديلة للاستثمار، بل يبحثون عن الملاذ الأخير المطلق وهو العملة النقدية السائلة؛ لأن الالتزامات المالية العاجلة والديون لا يمكن سدادها بالسلع أو بالعملات الرقمية، بل يجب دفعها كاش فوراً. 

وحمل تراجع النفط أيضاً في طياته تحذيراً من الخبراء يفيد بأن الذعر المالي قد يبدأ في التأثير على الاقتصاد الحقيقي، حيث يعكس انخفاض أسعار الطاقة قلق المستثمرين من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وتراجع الطلب على المواد الخام.

النظرة المستقبلية 

تجمع آراء الخبراء ، على أن الأسواق ستبقى في حالة تقلب مفرط حتى تستقر عمليات التسييل الإجباري وتتضح الصورة الفنية للمحافظ الكبرى.
 ويرى الخبراء أن مفتاح الحل والتهدئة يكمن الآن في أيدي البنوك المركزية الكبرى، وتحديداً المجلس الاحتياطي الفيدرالي. فإذا تدخلت هذه المؤسسات عبر إرسال رسائل تطمينية بضخ السيولة أو التلميح بمرونة السياسات النقدية، فإن ذلك سيعيد الثقة تدريجياً ويوقف نزيف الأسعار.
 وبخلاف ذلك، يحذر الخبراء، من أن استمرار القلق قد يدفع مستثمري التجزئة والأفراد إلى الانضمام لساحة البيع مدفوعين بالعاطفة، مما قد يمدد أمد هذه الأزمة الشديدة.