بدأت سيارات الأجرة ذاتية القيادة، أو ما يُعرف بـ"الروبوتاكسي"، في التوسع سريعاً على مستوى العالم، مع هيمنة واضحة لكل من الولايات المتحدة والصين على هذا القطاع الناشئ، قبل أن تبدأ أوروبا أخيراً في دخول السباق من خلال تجارب محدودة أطلقتها شركات كبرى في عدد من العواصم هذا العام.

تضاعف أسطول الروبوتاكسي في الصين والولايات المتحدة خلال 2025 ليصل إلى نحو 8,000 مركبة في أكثر من 20 مدينة رئيسية
توقعات بأن يصل عدد سيارات الروبوتاكسي عالمياً بين 700 ألف وثلاثة ملايين بحلول عام 2035، موزعة على 40 إلى 80 مدينة كبرى

ووفقاً لتقرير صادر في مايو عن الوكالة الدولية للطاقة، فقد تضاعف حجم أساطيل الروبوتاكسي في الصين والولايات المتحدة بأكثر من الضعف خلال عام 2025، ليصل إلى نحو 8,000 مركبة موزعة على أكثر من 20 مدينة رئيسية، في مؤشر على تسارع وتيرة الاعتماد على هذا النوع من النقل الذكي.

 
أوروبا تتحرك بعد تأخر 7  سنوات.. ومحاولات للحاق بالسباق العالمي

وبعد تأخر استمر نحو سبع سنوات عن الجدول الزمني المخطط، تستعد أوروبا لإطلاق تجارب أوسع خلال الأشهر المقبلة، وسط انتقادات سياسية لبطء وتيرة التقدم.

وفي فرنسا، حيث لا توجد حالياً تجارب نشطة، وجّه المفوض السامي للتخطيط كليمان بون انتقادات للاتحاد الأوروبي، معتبراً أن القارة "تتخلف عن الركب" مقارنة بالولايات المتحدة والصين.


لوائح صارمة وسائق أمان.. الحذر الأوروبي يبطئ الانطلاق

وتفرض القوانين الأوروبية وجود سائق أمان داخل المركبات خلال مراحل الاختبار، بحيث يكون حاضراً على المقعد الأمامي ويداه على وضعية استعداد، وهو النموذج الذي كان معتمداً أيضاً في المراحل الأولى من التجارب في الصين والولايات المتحدة.

لكن الاتحاد الأوروبي يسعى حالياً لتسريع الإجراءات عبر اعتماد ما يُعرف بـ"منصة اختبار" موحدة، تتيح للشركات تنفيذ تجاربها دون الحاجة إلى الحصول على موافقات منفصلة من كل دولة عضو.

 
من لندن إلى مدريد.. مدن أوروبية تدخل تجربة الروبوتاكسي

تشهد عدة عواصم أوروبية بداية موجة تجارب محدودة للسيارات ذاتية القيادة:

في كرواتيا: انطلقت أولى التجارب في 8 أبريل عبر شركة "بوني دوت آي" الصينية بالتعاون مع أوبر وفيرن المدعومة من مجموعة ريماك، باستخدام نحو 10 سيارات روبوتاكسي في زغرب.
في لندن: تستعد ثلاث مجموعات لإطلاق تجارب واسعة، أبرزها "وايمو" التابعة لشركة "ألفابت"، إلى جانب "وايف" بالشراكة مع أوبر، و"أبولو غو" التابعة لـ"بيدو" الصينية.
في مدريد: أعلنت شركة "وي رايد" الصينية بدء اختباراتها بالتعاون مع أوبر.
في ميونيخ: تخطط أوبر لتجارب باستخدام تقنية من شركة "مومينتا"، فيما دخلت "أبولو" في شراكة مع البريد السويسري لإطلاق برنامج تجريبي في شرق سويسرا.
في لوكسمبورغ: تستعد "ستيلانتيس" بالشراكة مع "بوني دوت آي" لإطلاق اختبارات مماثلة.
وتشارك منصات النقل الذكي مثل أوبر وليفت وبولت بشكل متزايد في هذه التجارب، في محاولة لدمج التكنولوجيا الجديدة ضمن خدماتها.

 
أساطيل تتوسع بسرعة.. ومليارات تُراهن على المستقبل

وتشير بيانات الشركات إلى توسع كبير في هذا القطاع:

تمتلك "وايمو" نحو 3,000 سيارة أجرة ذاتية القيادة في الولايات المتحدة.
بينما تدير "أبولو" أسطولاً مماثلاً في 27 مدينة صينية، إضافة إلى دبي.
وتملك "بوني دوت آي" نحو 1,700 مركبة، مع خطة للوصول إلى 3,500 بحلول نهاية 2026.
في المقابل، تدير "وي رايد" نحو 1,000 مركبة.
وفي الصين، تشارك شركة "ديدي" مع "سايك" في تشغيل خدمات الروبوتاكسي، بينما توسع تسلا و"زوكس" المملوكة لأمازون وجودهما في السوق الأميركية.

 
توقعات ضخمة.. سوق قد يصل إلى ملايين المركبات خلال عقد

وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يتراوح عدد سيارات الروبوتاكسي عالمياً بين 700 ألف وثلاثة ملايين مركبة بحلول عام 2035، موزعة على 40 إلى 80 مدينة كبرى.

وفي تقديرات أخرى، تتوقع شركة "BCG" وصول العدد إلى ثلاثة ملايين مركبة، بينها 850 ألفاً في الصين و350 ألفاً في الولايات المتحدة، مقابل 120 ألفاً فقط في أوروبا، ما يعكس فجوة واضحة في وتيرة التبني.

أما بنك "غولدمان ساكس"، فيذهب أبعد من ذلك، مرجحاً وصول السوق إلى ستة ملايين مركبة بقيمة قد تبلغ 415 مليار دولار.

 
أوروبا بين الحذر والتنظيم.. هل تفوّت الفرصة؟

ويرى خبراء أن القيود التنظيمية الصارمة في أوروبا، إلى جانب قوة أنظمة النقل العام، ساهمت في إبطاء انتشار الروبوتاكسي مقارنة بالولايات المتحدة والصين.

ويقول المتخصص هيرفي دي تريغلود إن النموذج الأمريكي والصيني يعتمد على الانتشار السريع والتجربة الفورية، حتى دون اكتمال الأطر التنظيمية، على عكس النهج الأوروبي الأكثر تحفظاً.

ومع ذلك، يعتقد أن لندن ومدريد قد تكونان أول مدينتين أوروبيتين تشهدان خدمة تجارية فعلية بحلول عام 2027.

 
صراع المدن: بين الكثافة السكانية والمصلحة العامة

ويبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بمكان نشر هذه الخدمات، إذ تفضل الشركات العمل في المدن ذات الكثافة العالية لتحقيق أرباح أكبر، بينما يدفع صناع القرار باتجاه توجيهها إلى الضواحي والمناطق الريفية لتعزيز العدالة في الوصول إلى الخدمات.

وفي هذا السياق، قالت لورانس ديبرينكات من هيئة النقل الإقليمية في باريس: "لقد حان الوقت لوضع استراتيجية واضحة".

بينما لخص توماس ماتاين، مؤسس شركة "إيكوف" الفرنسية، المعضلة قائلاً: "هل نترك السوق يحدد المسار، أم تتدخل الحكومات لضمان خدمة المصلحة العامة؟".