تتكشف داخل مصانع أشباه الموصلات المتقدمة تفاصيل تكنولوجية معقدة تجعل الذكاء الاصطناعي العالمي مرتهناً ببيئات بالغة الدقة.

الخطأ البشري الواحد يكلف مبالغ باهظة، إذ تتراوح قيمة الرقاقة الواحدة بين 5 آلاف و50 ألف دولار، بينما يحمل الروبوت الواحد 25 رقاقة في الصندوق
تستغرق صناعة الرقاقة الواحدة حوالي 3 أشهر، تمر خلالها بنحو 2000 خطوة تصنيعية معقدة عبر آلاف الأجهزة

رصدت جولة صحفية لشبكة "بيزنس إنسايدر" داخل منشأة شركة "إنتل" في هيلسبورو بولاية أوريغون الأمريكية، كيف تحول البشر إلى العدو الأول والمهدد الأكبر لسلامة الرقائق الإلكترونية بسبب الجسيمات المجهرية غير المرئية التي تفرزها أجسادهم تلقائياً.

بروتوكول صارم يمنع مستحضرات التجميل والورق التقليدي

أبلغت إدارة المصنع الفريق الصحفي قبل الدخول بمنع استخدام مزيلات العرق التقليدية، غسول البشرة، مثبتات الشعر، ومستحضرات التجميل تماماً، بالإضافة إلى حظر الهواتف الذكية إلا في وضع الطيران، ومنع تقنيات البلوتوث والـ "فيلكرو". 

وشملت التجهيزات تعقيم معدات التصوير بالكامل ومسح أرجل الحوامل الثلاثية بدقة بحثاً عن أي ذرة غبار، تلاها الدخول إلى غرفة تغيير الملابس المليئة بـ "بدلات الأرانب" المعقمة التي تبلغ قيمة الواحدة منها 1000 دولار، حيث جرى ارتداء قفازين متتاليين لمنع تسرب خلايا الجلد الميتة، واستبدال الدفاتر الورقية العادية بدفاتر خاصة لا تطلق جزيئات مجهرية قد تدمر الرقاقة المصممة بحجم أظافر اليد.

روبوتات طائرة تحمي ملايين الدولارات من الأخطاء البشرية

تتحرك الروبوتات آلياً عبر مسارات علوية حاملة صناديق مغلقة تحتوي على الرقائق، بهدف إبعادها عن الأيدي البشرية، نظراً لأن العنصر البشري يمثل بطئاً ومخاطرة في بيئة تتطلب نقل آلاف الرقائق يومياً. 

وأكد المسؤولون أن الخطأ البشري الواحد يكلف مبالغ باهظة، إذ تتراوح قيمة الرقاقة الواحدة بين 5 آلاف و50 ألف دولار، بينما يحمل الروبوت الواحد 25 رقاقة في الصندوق، مما يجعل قيمة الشحنة الواحدة تصل إلى ملايين الدولارات في حال سقوطها. 

كما تضاء غرف الإنتاج الضخمة بنظام إضاءة أصفر خاص لحماية الرقائق الحساسة من التلف، حيث تبدو الآلات الحمراء بلون وردي مضلل تحت هذه الإضاءة المعقمة.

مصنع عائم يمتص الاهتزازات ويغير الهواء في دقيقة

تتكون البنية التحتية للمصنع من طبقات معقدة صممت خصيصاً لامتصاص الاهتزازات الدقيقة الناتجة عن الزلازل، الآلات المجاورة، أو حتى أجهزة التكييف في المباني القريبة، لضمان استقرار البيئة المحيطة بالصناعات الذرية، حيث تعادل سماكة شعرة الإنسان الواحدة حوالي مليون ذرة، بينما تبنى منشآت إنتل هياكل رقمية لا تتجاوز سماكتها بضع ذرات فقط. 

وتعمل أرضية المصنع كمنخل معدني عملاق يحتوي على ثقوب دقيقة لسحب الجزيئات الهاربة بعيداً في أقل من 60 ثانية، ويجري تنقية الهواء باستمرار لضمان عدم وجود أكثر من 8 جزيئات أكبر من الميكرون في المتر المكعب الواحد، مقارنة بملايين الجزيئات في الغرف العادية.

20 مليار دولار لمجابهة الهيمنة التايوانية على التقنية العالمية

تستغرق صناعة الرقاقة الواحدة حوالي 3 أشهر، تمر خلالها بنحو 2000 خطوة تصنيعية معقدة عبر آلاف الأجهزة الموزعة على مساحة غرف معقمة تعادل 12 ملعب كرة قدم. 

وتبلغ تكلفة بناء منشأة تصنيع متطورة كهذه حوالي 20 مليار دولار، وهو ما يفسر وضع الحكومة الأمريكية دعم هذه الصناعة محلياً على رأس أولوياتها الأمنية والسياسية، نظراً لأن 90% من الرقائق الأكثر تقدماً في العالم تصنع حالياً في تايوان، مما يشكل خطراً كبيراً على واشنطن في ظل التهديدات الصينية المستمرة، وتظل "إنتل" الشركة الأمريكية الوحيدة التي تصمم وتصنع رقائق المنطق المتقدمة محلياً.