تحولت الصناديق السيادية الخليجية خلال العقد الأخير من مجرد مستثمر يبحث عن العوائد المالية إلى أطراف فاعلة في تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، عبر توجيه رؤوس الأموال صوب القطاعات الأكثر نمواً وتأثيراً في المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا المتقدمة وصناعة الفضاء.

ومع بدء تداول أسهم شركة "سبيس إكس" في بورصة ناسداك، بقيمة سوقية تقارب 1.78 تريليون دولار، برز الحضور الإماراتي وسائر الخليج في أحد أكبر الطروحات المرتبطة باقتصاد المستقبل. إذ لعبت المؤسسات الإماراتية، وفي مقدمتها "إم جي إكس" و"مبادلة"، دوراً مهماً في دعم منظومة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية المرتبطة باستثمارات إيلون ماسك وشركاته – في مقدمتها Space X - ما يعكس توجهاً استراتيجياً يتخطّى الاستثمار التقليدي نحو بناء شراكات مؤثرة في القطاعات التقنية المتقدمة.

وعلى وقع السباق الدولي لحجز مقاعد في اقتصاد المستقبل، تبرز الإمارات في موقع الصدارة بفضل استثماراتها المتنامية في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، وهو ما يعكس إلى جانب المشاركة الخليجية الواسعة في الاكتتاب، توجهاً إقليمياً متسارعاً نحو توظيف الثروات السيادية في "صناعة" التكنولوجيا العالمية وقيادتها، بدلاً من الاكتفاء بالاستثمار فيها.

اهتمام خليجي متزايد

وفي هذا الإطار، عززت أبوظبي حضورها عبر ذراعها الاستثمارية المختصة بفضاء التكنولوجيا "إم جي إكس"، بالتعاون مع "جي 42"، بالتوازي مع تطوير مجمعات ضخمة لمراكز البيانات مدعومة بشراكات استراتيجية عالمية، ومن أبرز هذه الشراكات التعاون مع "مايكروسوفت"، الذي شمل استثمارات بقيمة 15.2 مليار دولار وتوسعة قدرات مراكز البيانات عبر شركة "خزنة" التابعة للمجموعة.

وعلى المستوى الخليجي، تشير مصادر مطلعة لوكالة "بلومبيرغ" إلى تقدم كل من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، والهيئة العامة للاستثمار الكويتية، بطلبات شراء أسهم تتراوح قيمتها بين مليار و5 مليارات دولار لكل منهما، فيما يُتوقع أن يقدم جهاز قطر للاستثمار التزاماً استثمارياً كبيراً أيضاً، ما يعكس الرغبة الخليجية المتزايدة في تعزيز الحضور ضمن الشركات الرائدة في التكنولوجيا والفضاء.

أبعد من الاستثمار المالي

وعن أبعاد هذه الاستثمارات، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد خليفة في حديث خاص لـ 24، أن "مشاركة الصناديق السيادية الإماراتية والخليجية في اكتتاب (سبيس إكس)، تأتي في إطار استراتيجية تنويع المحافظ الاستثمارية والرهان على أهمية وجدوى قطاعات المستقبل، ودعم التطوير والنمو فيها لتحقيق عوائد حضارية ومالية".

ويوضح خليفة المقيم في الإمارات، أن هذه المشاركة تحمل انعكاسات اقتصادية مباشرة على الدولة، من خلال تعزيز نمو قطاعات الفضاء والاتصالات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب توفير فرص استثمارية جديدة في الصناعات والخدمات المرتبطة بالقطاع. لضمان عوائد وتدفقات مالية ورفع القيمة السوقية لأصول الصناديق السيادية، بما يدعم أهداف الاستدامة المالية والاقتصادية على المدى الطويل.

وأضاف الدكتور خليفة أن "الإمارات تطمح، في ظل الطفرة العالمية التي يقودها الذكاء الاصطناعي، إلى ترسيخ مكانتها لاعباً رئيسياً في هذا المجال عبر دعم الابتكار وتطوير التطبيقات المتقدمة، وتوظيف التقنيات الحديثة لتحسين جودة الحياة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني في شتى المؤشرات، وخلق قيمة استثانية في القطاعات ذات الأولوية الاستراتيجية".

وتتصدّر دولة الإمارات المشهد المالي في منطقة الخليج العربي - التي تُعد أغنى منطقة في العالم بالثروات السيادية- بإجمالي أصول مجمعة يبلغ 2.75 تريليون دولار، متفوقةً بفارق شاسع على بقية دول المنطقة. 

وتأتي المملكة العربية السعودية في المرتبة الثانية، بحجم أصول مجمعة تبلغ 1.281 مليار دولار، تليها دولة الكويت في المرتبة الثالثة بقيمة 1.011 مليار دولار، لتشكل هذه الدول بالإضافة إلى الإمارات "النادي التريليوني" للثروات السيادية. 

وفي المرتبة الرابعة، يحل جهاز قطر للاستثمار بأصول تصل إلى 586 مليار دولار، في حين تأتي سلطنة عُمان ومملكة البحرين في المرتبتين الخامسة والسادسة، بأصول تبلغ 60 مليار دولار و19 مليار دولار على التوالي.

رؤية مستقبلية وتكامل تشغيلي

تتخطّى مشاركة الإمارات في اكتتاب "سبيس إكس" أبعاد الاستثمار المالي التقليدي، لتشكل خطوة استراتيجية تعزز مكانة الدولة كمركز إقليمي وعالمي للتكنولوجيا والصناعات المستقبلية. 

ويؤكد الدكتور محمد خليفة أن "هذه المشاركة تتقاطع مباشرة مع رؤية الإمارات وطموحاتها الفضائية"، مؤكداً أن الدولة أثبتت قدرتها على استشراف التحولات المستقبلية والتوجه نحو الاستثمار في القطاعات الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، ما يوسع حضورها في دوائر صنع القرار التكنولوجي ويفتح الباب أمام شراكات أعمق في قطاعات الفضاء والاتصالات والحوسبة.

وعلى صعيد الصناديق السيادية والكيانات الوطنية، يمثل هذا الاستثمار أداة للتكامل مع البنية التحتية القائمة، إذ تملك شركات مرتبطة بـ "مبادلة" و"ألفا ظبي" أصولاً ومحطات أرضية لخدمة الإنترنت الفضائي "ستارلينك"، في حين اعتمدت شركة "الياه سات" على "سبيس إكس" لإطلاق ثلاثة أقمار صناعية من الجيل القادم "الياه 4" و"الياه 5"، بالإضافة إلى إطلاق قمر "الثريا 4- NGS" المخصص للاتصالات المتنقلة. وهكذا، يعزّز الاستحواذ على حصص الإمارات في هذا الطرح على درب السيطرة الاستراتيجية والتشغيلية لهذه التقنيات الحيوية.

كما يتزامن هذا الحراك التكنولوجي مع إطلاق "برنامج التعاون الفضائي الدولي" بقيمة مليار درهم (272.3  مليون دولار)، ودعماً لمستهدفات "الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء 2031" الرامية إلى مضاعفة عائدات اقتصاد الفضاء وزيادة قيمته المضافة بنسبة 60%، لا سيما مع توقعات نمو اقتصاد الفضاء العالمي من 613 مليار دولار في 2024 إلى قرابة 780 مليار دولار بحلول 2033.