تتوقع وكالة الطاقة الدولية تحول الإمارات إلى أحد أبرز المحركين الرئيسيين لنمو إمدادات الطاقة من خارج منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، وذلك عقب قرارها الاستراتيجي الانسحاب من المنظمة بهدف التحرر من قيود الإنتاج والحصص.

وبدأ تطبيق هذا التوجه رسمياً في الأول من مايو(أيار) من العام الجاري، ليتيح للدولة زيادة صادراتها والمنافسة بحرية أكبر في الأسواق العالمية بناءً على طاقتها الإنتاجية الفعلية وعلى نحو ينسجم مع خططها التنموية. 
وتكشف القراءة المتعمقة في أرقام وكالة الطاقة الدولية أمس عن تسارع غير مسبوق في الخطط التشغيلية الإماراتية، حيث تشير البيانات إلى أن إجمالي إنتاج الدولة من المتوقع أن يقفز إلى نحو 5.2  مليون برميل يومياً بحلول عام 2027.

قوة نفطية مستقلة 

وتكمن الدلالة الأبرز في حجم الطفرة السنوية التي سيسجلها هذا الإنتاج، إذ يقدر نمو الإمدادات بنحو 730 ألف برميل يومياً على أساس سنوي، وهو ما يعكس قفزة هائلة مقارنة بالمستويات المقدرة للعام الحالي والتي تحوم حول حاجز 4.47  مليون برميل يومياً. 

وتؤكد هذه الأرقام المتصاعدة أن التخلي عن سقف "أوبك" لم يكن مجرد قرار إداري، بل هو ترجمة عملية لتوجه استراتيجي مدروس يهدف إلى إطلاق العنان للطاقات الإنتاجية الحبيسة، والوصول إلى مستويات مرنة قد تلامس عتبة 6 ملايين برميل يومياً في حال استدعت حاجة السوق العالمية ذلك، مما يضع الإمارات في مصاف القوى النفطية المستقلة القادرة على توجيه دفة الأسعار وإدارة الأزمات بشكل منفرد بعيداً عن أروقة فيينا.
وتتعدد الدوافع الاقتصادية والسيادية التي قادت متخذ القرار الإماراتي نحو  الانسحاب من "أوبك"، وفي مقدمتها السعي لتعظيم القيمة المضافة من الموارد الهيدروكربونية قبل حدوث التحول الكامل نحو الطاقة النظيفة في العقود المقبلة. 
لقد أدركت أبوظبي أن الالتزام بقرارات خفض الإنتاج الجماعية يعطل الاستفادة من خططها الاستثمارية الطموحة، حيث تضخ شركة "أدنوك" استثمارات رأسمالية ضخمة تصل قيمتها إلى 150  مليار دولار تمتد حتى نهاية العقد الحالي.
 وتستهدف هذه الاستثمارات تطوير حقول برية وبحرية عملاقة وتحديث منشآت المعالجة، وهو ما يجعل من غير المنطقي تجميد هذه القدرات الهائلة تحت وطأة توازنات التحالفات النفطية الدولية. 

بلومبرغ تبرز خطة الإمارات في تطوير مسارات بديلة لمضيق هرمز - موقع 24في وقت يترقب فيه العالم إعادة الفتح الكامل لمضيق هرمز، عقب اتفاق سلام مؤقت بين إيران والولايات المتحدة، تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة في تنفيذ خطة تستهدف تقليص اعتمادها على المضيق عبر تطوير مسارات بديلة لتصدير الطاقة، وتعزيز مرونة بنيتها التحتية اللوجستية.

وبناءً على ذلك، يوفر الانسحاب بيئة تشغيلية حرة تسمح للبلاد بتسييل أصولها النفطية بالسرعة والمستوى اللذين يخدمان طموحاتها التنموية المحلية، وتوفير اللقيم اللازم لقطاع البتروكيماويات والتصنيع المحلي المتنامي، مما يضمن تدفقات مالية مستدامة تدعم رؤيتها لتنويع الاقتصاد الشامل ومواجهة متطلبات المستقبل بمرونة مالية أكبر.
ولم يكن لهذه القفزة الإنتاجية الطموحة أن تجد طريقها إلى النور دون وجود استراتيجية لوجستية متكاملة تضمن وصول هذه الإمدادات الضخمة إلى الأسواق العالمية بكفاءة وأمان، خاصة في ظل بيئة إقليمية مشحونة بالاضطرابات الجيوسياسية في المعابر البحرية التقليدية. 
وفي هذا السياق، تبرز الرؤية الاستباقية لتعزيز أمن الطاقة عبر تطوير خطوط نقل بديلة وحيوية تتجاوز تماماً التهديدات المحيطة بمضيق هرمز، ويعد خط أنابيب "حبشان-الفجيرة" الركيزة الأساسية لهذه المنظومة اللوجستية، حيث يمتلك القدرة الحالية على نقل ما يصل إلى 1.8 مليون برميل يومياً مباشرة من حقول أبوظبي البرية إلى الساحل الشرقي للدولة المطل على بحر العرب والمحيط الهندي. 
هذا الشريان البري يمنح الصادرات الإماراتية ميزة تنافسية واستقراراً تشغيلياً فريداً، حيث يجنب الشحنات مخاطر التوقف أو الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين البحري التي تعاني منها بقية دول المنطقة في أوقات الأزمات.

منشآت الفجيرة الأكبر

وتتكامل هذه القدرة التصديرية المباشرة مع منشآت تخزين عملاقة في إمارة الفجيرة، والتي تعد واحدة من أكبر مراكز التخزين وتزويد السفن بالوقود على مستوى العالم بطاقة استيعابية تتجاوز 42  مليون برميل من النفط الخام والمشتقات. 
ولا تتوقف الطموحات اللوجستية الإماراتية عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل الإسراع في وتيرة إنجاز خط أنابيب جديد يربط غرب البلاد بشرقها، والذي تخطت نسبة الأعمال الإنشائية فيه حاجز 50%، ومن المتوقع دخوله الخدمة بحلول عام 2027. 

وسيعمل هذا المشروع الاستراتيجي على مضاعفة القدرات التصديرية المتاحة عبر الساحل الشرقي، مما يمكن الدولة من استيعاب وتصدير كامل الزيادة المقررة في إنتاجها النفطي والبالغة 730  ألف برميل يومياً بشكل آمن تماماً، ليرسخ مكانتها كأحد أكثر مزودي الطاقة موثوقية واستقراراً في العالم في مرحلة تشهد فيها الأسواق العالمية إعادة ترتيب واسعة النطاق لخطوط الإمداد والطلب.
وفي ضوء المعيطات السابقة، فإن  هذا التحول النفطي الإماراتي يمثل فصلاً جديداً في تاريخ أسواق الطاقة، حيث سينتج عنه زيادة المعروض من خارج المظلة التقليدية لـ "أوبك"، مما يفرض ديناميكيات جديدة على تسعير النفط الخام ويزيد من حدة التنافسية بين المنتجين التقليديين والمستقلين.