تشهد أوروبا إشارات اقتصادية متناقضة، فمن جهة تُظهر ثقة الشركات الألمانية تحسناً محدوداً، ومن جهة أخرى تعكس مؤشرات النشاط الفعلي ضعفاً واضحاً في الصناعة والخدمات، في وقت يمارس الدولار الأمريكي ضغطاً على اليورو، ما يزيد تعقيد حسابات البنك المركزي الأوروبي. 

محلل أسواق مال لـ"24": التفاؤل الألماني استقرار نفسي لا تعافٍ اقتصادي مكتمل

تقدّر وكالة "رويترز" للأنباء، بأن مؤشر مناخ الأعمال في ألمانيا - قاطرة اقتصاد القارة العجوز - الصادر عن معهد "Ifo"، ارتفع في يونيو (حزيران)، مدفوعاً بتحسن تقييم الشركات لأوضاعها الحالية، ولكنها تشير في الوقت نفسه إلى تحسن في التوقعات المستقبلية بشكل طفيف، ما يجعل الإشارات التي تأتي من ألمانيا أقرب إلى "تحسن حذر" في المزاج، لا إلى دليل قاطع على بداية تعافٍ واسع في القارة العجوز.

في الجهة الأخرى، تشير مؤشرات مديري المشتريات إلى أن النشاط الخاص في ألمانيا انكمش في يونيو (حزيران) بأسرع وتيرة خلال 18 شهراً، مع ضعف واضح في قطاع الخدمات، بينما واصلت منطقة اليورو ككل الانكماش للشهر الثالث على التوالي، رغم تحسن طفيف في القراءة العامة.

هذه الصورة الهشة التي تشهدها أوروبا، تتزامن مع صعود الدولار الأمريكي أمام العملات الكبرى، وتراجع اليورو إلى أضعف مستوياته في أكثر من عام، في ظل توقعات استمرار التشدد النقدي في الولايات المتحدة، وتراجع رهانات الأسواق على زيادات قوية في الفائدة الأوروبية بعد هبوط أسعار النفط.

إشارة أمل ألمانية

توضح "رويترز" في تقريرها، إن مؤشر مناخ الأعمال الألماني ارتفع في يونيو (حزيران) إلى 85.6 نقطة، مقارنة بـ85 نقطة في مايو (أيار)، بما يتماشى مع توقعات الأسواق، بعد أن أصبحت الشركات الألمانية أكثر إيجابية تجاه أوضاعها الحالية، لافتة إلى أن مؤشر تقييم الوضع الحالي ارتفع إلى 87 نقطة من 86.1 نقطة، بينما تحسنت التوقعات المستقبلية بصورة محدودة إلى 84.1 نقطة من 83.9 نقطة، وهو ما يشير إلى أن التحسن جاء بالأساس من تقييم الحاضر، لا من قفزة واضحة في التفاؤل بالمستقبل.

ويقول كليمنس فوست، رئيس معهد "Ifo"، بحسب "رويترز"، إن الاقتصاد الألماني يراهن على تهدئة التوترات السياسية العالمية، في وقت قال كارستن برزيسكي، رئيس الاقتصاد الكلي العالمي في "ING"، إن "الأمل عاد"، لكنه حذر من أن المؤشر لا يزال دون مستوياته قبل الحرب، ما يعني أن ألمانيا، التي ظلت نقطة الضعف الأساسية في الاقتصاد الأوروبي خلال الفترة الأخيرة، بدأت ترسل إشارة نفسية أفضل، لكنها لم تقدم بعد ما يكفي لإعلان نهاية مرحلة الضعف.

المستهلك لا يشارك الشركات التفاؤل

بالنظر إلى معنويات المستهلكين في ألمانيا، فيكشف مسح لمعهد "NIM" ومؤسسة  "GfK"، أنها استقرت عند مستوى منخفض مع دخول يوليو (تموز)، إذ ارتفع مؤشر ثقة المستهلكين بشكل طفيف إلى سالب 29.2 نقطة، مقارنة بسالب 29.7 نقطة في يونيو (حزيران).

وتشير رويترز إلى أن التحسن الطفيف جاء مع تعافٍ محدود في توقعات الدخل، لكن الرغبة في الشراء لا تزال في منطقة تشاؤمية، بينما بقي الميل إلى الادخار مرتفعاً، ما يعني أن الأسر الألمانية لم تستعد بعد الثقة الكافية لزيادة الإنفاق.

وتقول صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، إن ثقة المستهلكين الألمان تحسنت بشكل محدود، لكنها جاءت أضعف من توقعات الاقتصاديين، في وقت لا تزال الأسر فيه أقل تفاؤلاً بشأن الأوضاع المالية مقارنة بوضع ما قبل التصعيد في الشرق الأوسط. 

منطقة اليورو لا تزال تحت الضغط

على مستوى منطقة اليورو، لا تبدو الصورة أفضل، حيث تقول "رويترز" إن النشاط الخاص في منطقة العملة الموحدة واصل الانكماش في يونيو (حزيران) للشهر الثالث على التوالي، رغم أن وتيرة التراجع أصبحت أبطأ، إذ ارتفع مؤشر مديري المشتريات المركب إلى 49.5 نقطة من 48.5 نقطة في مايو (أيار)، لكنه ظل دون مستوى النمو.

وتضيف الوكالة أن قطاع الخدمات بقي في منطقة الانكماش، رغم تحسن مؤشره إلى 48.9 نقطة، بينما لم يكن تحسن الطلب في قطاعات مثل السياحة والترفيه كافياً لتعويض استمرار تراجع الطلبات الجديدة، خصوصاً في الخدمات. ونقلت عن بيرت كولين من "ING" أن قراءة يونيو (حزيران) لا تزال تشير إلى نشاط اقتصادي ضعيف في الكتلة، رغم أن تراجع ضغوط الأسعار يمثل نقطة مشجعة، بينما يرى محللون أن بيانات أبريل (نيسان) ومايو (أيار) ويونيو (حزيران) مجتمعة ترسم ربعاً ضعيفاً للنمو في منطقة اليورو.

هو ما يضع الاقتصاد الأوروبي في منطقة رمادية، ليس في وضع الانهيار الحاد، أو التعاف الواضح، ولكن في حالة تباطؤ ممتدة، تجعل أي قراءة إيجابية بحاجة إلى اختبارها أمام مؤشرات النشاط والطلب والتوظيف.

 استقرار نفسي لا تعاف اقتصادي

يقول أحمد عزام، محلل أسواق المال، إن تحسن مؤشر ثقة الشركات الألمانية لا يكفي لإعلان بداية تعاف أوروبي حقيقي، موضحاً أن القراءة تعكس تحسناً محدوداً في مزاج الشركات بعد فترة طويلة من التشاؤم، لكنها لا تعني أن الاقتصاد الحقيقي أعطى إشارة إيجابية صلبة.

ويضيف عزام لـ"24"، أن الفارق بين الثقة والنشاط الفعلي يظل مهماً، إذ قد ترتفع الثقة لأن الخوف تراجع، أو لأن الشركات اعتادت مستويات الضعف الحالية، أو لأن الأسواق تراهن على سياسة نقدية أقل تشدداً لفترة أطول، بينما يحتاج التعافي الحقيقي إلى طلبات جديدة، وإنتاج أعلى، وتوظيف أقوى.

ويرى أن هذه العناصر لا تزال ضعيفة، خصوصاً في ألمانيا، حيث لم تعد الصناعة وحدها مصدر القلق، بعدما بدأ الضعف يظهر أيضاً في قطاع الخدمات، وهو ما يعتبره أكثر خطورة من تراجع المصانع فقط.

وبحسب عزام، كانت الخدمات خلال الفترة الماضية خط الدفاع الأخير للاقتصاد الأوروبي، لكن فقدانها بعض الزخم يعني أن الضغط انتقل من الصادرات والمصانع إلى المستهلك والشركات المحلية، ما يجعل قراءة التفاؤل الألماني أقل قوة. ويعتبر أن أوروبا تبدو اليوم أقرب إلى اقتصاد توقف عن التدهور السريع، لا إلى اقتصاد بدأ دورة صعود جديدة، مشيراً إلى أن تحسن مؤشر الثقة يمثل إشارة استقرار نفسي، لا دليلاً على تعاف اقتصادي مكتمل.

الدولار يضغط في توقيت سيء

في سوق العملات، تزيد قوة الدولار الأمريكي تعقيد المشهد الأوروبي، وتقول صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، إن اليورو تراجع إلى نحو 1.135 دولار، وهو أضعف مستوى في أكثر من عام، مع صعود العملة الأمريكية بدعم من تحول أكثر تشدداً في توقعات السياسة النقدية الأمريكية، وتراجع رهانات الأسواق على زيادات قوية في الفائدة الأوروبية.

وتوضح الصحيفة أن هبوط أسعار النفط خفف جزءاً من الضغط التضخمي على البنك المركزي الأوروبي، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على رفع الفائدة في منطقة اليورو، بينما ظل الدولار مدعوماً بتوقعات رفع الفائدة في الولايات المتحدة، وبصورة اقتصاد أمريكي أكثر تماسكاً.

ويقول عزام إن قوة الدولار تضغط على أوروبا في توقيت سيئ للغاية، موضحاً أنه لو كان الاقتصاد الأوروبي قوياً، لكان ضعف اليورو مفيداً جزئياً للصادرات، لكن عندما يكون الطلب ضعيفاً والنمو هشاً، تتحول العملة الضعيفة إلى عبء اقتصادي، مشيراً إلى أن أوروبا تستورد الطاقة والمواد الخام وكثيراً من المدخلات الصناعية بالدولار، ما يعني أن تراجع اليورو يرفع الكلفة المحلية حتى من دون ارتفاع كبير في الأسعار العالمية.

ويوضح أن الشركات الأوروبية تجد نفسها أمام خيارين صعبين، إما رفع الأسعار على مستهلك متعب، أو تحمل الكلفة وقبول تراجع هوامش الأرباح، وفي الحالتين لا يحصل الاقتصاد على دفعة حقيقية، ويضيف عزام أن قوة الدولار تعكس أيضاً فارقاً أوسع بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الأوروبي، إذ يرى المستثمر عائداً أعلى في الولايات المتحدة، ونمواً أكثر تماسكاً، وسياسة نقدية تملك مساحة أوسع للمناورة، وهو ما يجعل الضغط على اليورو بمثابة رسالة ثقة سلبية تجاه أوروبا.

المركزي الأوروبي داخل مساحة ضيقة

يقول أحمد عزام إن البنك المركزي الأوروبي يتحرك داخل مساحة ضيقة للغاية، إذ يحتاج الاقتصاد إلى دعم، بينما لم يخرج التضخم تماماً من الصورة، في ظل ضعف اليورو وأسعار الطاقة وكلفة الواردات، ويضيف أن أوروبا لا تحتمل تشديداً نقدياً طويلاً من زاوية النمو، لأن الصناعة ضعيفة، والطلب الداخلي متردد، والخدمات بدأت تفقد بعض قوتها، ما يعطي البنك المركزي الأوروبي سبباً للتوقف عن الضغط أكثر.

لكن من زاوية التضخم، يرى عزام أن الصورة أقل راحة، إذ إن استمرار ضعف اليورو قد يرفع كلفة الواردات، ويجعل تراجع التضخم أبطأ مما ترغب به الأسواق.

وتقول "رويترز" إن فيليب لين، كبير خبراء الاقتصاد في البنك المركزي الأوروبي، يرى أن التضخم في منطقة اليورو قد يبقى فوق هدف البنك البالغ 2% حتى النصف الأول من 2027، حتى إذا صمدت التهدئة في الشرق الأوسط، لكنه شدد على أن الصدمة الحالية تحتاج إلى استجابة محسوبة لا إلى تحرك عنيف. وفي اتجاه أكثر تشدداً، تنقل "رويترز" عن إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، قولها إن البنك سيحتاج إلى مزيد من رفع الفائدة رغم التهدئة الأخيرة، بسبب استمرار مخاطر التضخم والطاقة.

ولذلك، لا يتوقع عزام أن يتحول البنك المركزي الأوروبي سريعاً إلى داعم قوي للتعافي عبر خفض الفائدة، مرجحاً أن يختار إدارة الوقت والتحرك بحذر، بحيث يخفف لهجته عندما تسمح البيانات، لكنه يبقي الباب مفتوحاً أمام التشدد إذا فرض التضخم ذلك.

ويعتبر أن المركزي الأوروبي سيحاول في المرحلة المقبلة إبقاء الأسواق هادئة، من دون إعطاء إشارة حاسمة على مسار الفائدة، لأن أي اندفاع سريع نحو دعم النمو قد يعيد إشعال مخاوف التضخم، بينما أي تشديد مبالغ فيه قد يزيد هشاشة الاقتصاد الأوروبي.