يواجه قطاع التكنولوجيا والاقتصاد العالمي موجة جديدة من الاضطرابات الاستراتيجية، مدفوعة بسلسلة من القرارات والتهديدات التصعيدية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض عام 2025.

يزيد هذا التصعيد حالة الضبابية في بيئة الاستثمار بقطاع التكنولوجيا، ما قد يدفع الشركات إلى تأجيل التوسع أو إعادة تقييم استثماراتها في الأسواق الأكثر عرضة للمخاطر التنظيمية والتجارية.

وتتأرجح هذه السياسات بين تبني إجراءات حازمة لحماية الشركات الرقمية الأمريكية في الخارج، وطرح رؤية استثمارية جديدة تقوم على الشراكة بين الحكومة وقطاع الذكاء الاصطناعي في الداخل، مما يضع عواصم العالم والأسواق المالية في حالة ترقب شديد.

طبول الحرب التجارية

في خطوة استراتيجية حازمة، هدّد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على أي دولة أوروبية تطبق أو تخطط لتطبيق "ضريبة الخدمات الرقمية" (DST) المستهدِفة لشركات التقنية الأمريكية العملاقة مثل آبل وغوغل وميتا وأمازون ومايكروسوفت.

وعبر منصته "Truth Social"، وجّه ترامب تحذيراً واضحاً قائلاً: "أي دولة تفرض مثل هذه الضريبة ستواجه فوراً برسوم جمركية بنسبة 100% على جميع السلع المرسلة إلى الولايات المتحدة.. هذه الرسوم ستلغي وتجنبّ أي اتفاقيات تجارية مبرمة مع تلك الدولة، سواء كانت مفعّلة، موقّعة، أم لا".

خريطة الضرائب الرقمية في أوروبا

وفق بيانات معهد "Tax Foundation"، فإن نحو نصف دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في أوروبا قد أعلنت، أو اقترحت، أو طبّقت بالفعل ضرائب رقمية تستهدف إيرادات الشركات من المستخدمين المحليين:

- المملكة المتحدة: تفرض ضريبة بنسبة 2% منذ عام 2020 على محركات البحث ومنصات التواصل التي تتجاوز إيراداتها العالمية 500 مليون جنيه إسترليني، وحققت الخزانة البريطانية منها أكثر من 800 مليون جنيه إسترليني في موسم 2024-2025.

- فرنسا، إيطاليا، إسبانيا: تفرض هذه الدول ضريبة بنسبة 3%، حيث جمعت فرنسا وحدها نحو 700 مليون يورو عام 2024 من الشركات الأمريكية بشكل رئيسي.

في المقابل، يؤكد الاتحاد الأوروبي أن هذه الضرائب حق سيادي وغير تمييزية، مع تعهده بالرد سريعاً على أي إجراءات أمريكية تمس استقلاله التنظيمي أو مصالحه.

ما الذي يريده ترامب حقاً من الرسوم الجمركية؟ - موقع 24يؤمن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الرسوم الجمركية هي حل شامل، فهي أداة اقتصادية يمكن أن تعيد قوة التصنيع في أمريكا..

وتأتي تهديدات ترامب بعد أيام من إقرار الاتحاد الأوروبي لخفض الرسوم الجمركية الموعودة ضمن اتفاقية تجارية أُبرمت العام الماضي، والتي وضعت سقفاً للرسوم عند 15% مقابل تنازلات متبادلة، لكنها تركت ملف الضرائب الرقمية دون تسوية نهائية.

ومع ذلك، تواجه هذه الاندفاعة الجمركية عوائق قانونية محتملة في الداخل؛ ففي فبراير (شباط) 2026، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكماً ألغى محاولة ترامب السابقة لفرض رسوم عالمية شاملة بنسبة 10%، مما يثير تساؤلات قانونية حول الآلية الدستورية التي سيعتمد عليها ترامب لتنفيذ تهديده بنسبة الـ 100% دون اللجوء إلى تحقيقات مطولة مسبقاً.

تأثير القرار على أداء الأسواق

رغم التأثيرات المحتملة للتهديدات على قطاعات الصادرات الأوروبية الحيوية مثل السيارات، والسلع الفاخرة، استجابت أسواق المال والعملات المشفرة باستقرار نسبي؛ مما يعكس قناعة المستثمرين بأن هذه التصريحات قد تكون أداة ضغط تفاوضية لتجنب تكاليف ضريبية متكررة على عمالقة التكنولوجيا.

تحركات أسهم الشركات التقنية (جلسة 26 يونيو 2026):

  • ميتا: ارتفعت لتلامس 555.69 دولار.
  • مايكروسوفت: تعافت لتستقر فوق مستويات 370 دولار
  • ألفابت: حافظت على استقرارها القريب من 341.54 دولار.
  • أمازون: تراجعت طفيفاً إلى 231.03 دولار بعد تحقيق أعلى مستوياتها اليومية.
  • آبل: صعدت إلى مستويات فوق 280 دولار (علماً بأن أوروبا تمثل ربع مبيعاتها السنوية بقيمة 101 مليار دولار، ما يجعلها معنية بأي تداعيات تجارية مستقبلية).
  • بيتكوين: حافظت العملة المشفرة على هدوئها مستقرة حول 60,073 دولار بارتفاع 1.5%.

ضغوط تتجاوز أوروبا

ولا يقتصر تأثير موقف ترامب على أوروبا، إذ أصبح يمثل ورقة ضغط على الحكومات التي تدرس فرض ضرائب مماثلة؛ ففي كندا تراجعت الحكومة عن ضريبة الخدمات الرقمية بعد تهديدات أمريكية مماثلة، بينما تواجه أستراليا ضغوطاً من شركات التكنولوجيا الأمريكية التي تستند إلى اتفاقية التجارة الحرة مع واشنطن للتحذير من أي تشريعات تفرض رسوماً جديدة على المنصات الرقمية.

ويزيد هذا التصعيد حالة ضبابية في بيئة الاستثمار بقطاع التكنولوجيا، ما قد يدفع الشركات إلى تأجيل التوسع أو إعادة تقييم استثماراتها في الأسواق الأكثر عرضة للمخاطر التنظيمية والتجارية، كما قد يشجع بعض الحكومات على تبني بدائل ضريبية أقل إثارة للخلاف مع الولايات المتحدة.

كذلك، يهدد استمرار النزاع بتعطيل التوصل إلى إطار ضريبي موحد للاقتصاد الرقمي، ليظل مستقبل تنظيم شركات التكنولوجيا العالمية رهناً بالتجاذبات السياسية والتجارية بين القوى الكبرى.