تفاجأ آلاف المصريين صباح اليوم الخميس، بحذفهم من منظومة دعم الخبز بتلقيهم رسائل عدة عبر هواتفهم المحمولة تفيدهم بوقف بطاقة الحصول على الخبز المدعوم، بسبب تحديث منظومة الدعم الجديدة والمعلنة أخيراً من الحكومة المصرية.
ماذا حدث؟
وتفيد وزارة التموين المصرية بأنها اتجهت لحذف أسماء من السجل بعد عمليات مراجعة وتنقيح لاستبعاد غير المستحقين للدعم، مع فتح أبواب التظلم لمن يرغب في ذلك.
المواطن المصري مصطفى محمد يقول لـ 24: "تلقيت رسالة على هاتفي باستبعادي من منظومة صرف الخبز وذلك لأن أبنائي في مدارس خاصة. وهذه ضمن الشروط التي تحدد المستبعدين من منظومة صرف الخبز والحصول على السلع التموينية". ويردف محمد "سوف أتظلم على القرار وأطالب بإعادة النظر فيه، لأن التعليم في مدارس خاصة هو أمر اعتيادي وليس تعليماً في مدارس دولية"، مشيراً إلى أن "نفقات المدارس الخاصة أصبحت مقاربة من مصروفات المدارس الرسمية الحكومية في الوقت الحالي وربما تكون أزيد قليلاً وليس مثل المدارس الدولية إطلاقاً".
ويستفيد من منظومة دعم الخبز والسلع في مصر 68 مليون مواطن بينهم 62 مليوناً، قرابة نصف عدد السكان. ويصرف المنتفعون السلع الغذائية الشهرية الأساسية مثل الزيت والسكر وغيرها من السلع دون الحصول على الخبز. وخصّصت الحكومة لهذا البرنلمج 160 مليار جنيه (3.4 مليار دولار) في 2025.
ويأتي تنقيح الجداول وتوجيه الدعم لـ"مستحقيه" في سياق توجه حكومي "لإعادة هيكلة آليات الدعم بما يضمن توجيهه للفئات الأكثر احتياجاً"، مع الحفاظ على استمرارية الدعم وزيادة مخصصاته لمواجهة الأعباء المعيشية وارتفاع الأسعار.
وتؤمن وزارة التموين والتجارة الداخلية الخبز المدعم لأصحاب البطاقات التموينية، إذ تنتج الوزارة بين 250 مليوناً و270 مليون رغيف يومياً. إذ تطرح الخبز على البطاقات بسعر 20 قرشاً للرغيف، وبمعدل 5 أرغفة يومياً لكل فرد مقيد على البطاقة، علماً أن كلفة إنتاج الرغيف فعلياً تقرب من 150 قرشاً (سبعة أضعاف السعر المدعوم) وتتحمل الحكومة فارق الكلفة لصالح المواطن.
ومع تطبيق منظومة الدعم النقدي يحصل المواطن على إجمالي سعر الرغيف للقيام بشراء ما يحتاجه من خبز أو سلع، وفقاً لاحتياجات أسرته، وبقيمة الدعم المخصص لأفراد الأسرة المقيدة على بطاقات التموين.
لماذا حُذف المصريون من منظومة الدعم؟
وتذكر وزارة التموين والتجارة الداخلية أن إيقاف بعض البطاقات التموينية في الحالات المرتبطة بالمخالفات المنصوص عليها بقرارات مجلس الوزراء، منها "التعدي بالبناء على الأراضي الزراعية، البناء المخالف، سرقة التيار الكهربائي أو صرف معاشات بدون وجه حق".
وتؤكد الوزارة استمرارها في تنفيذ أعمال مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من منظومة البطاقات التموينية، وذلك وفق "محددات العدالة الاجتماعية المعتمدة من اللجنة الوزارية للعدالة الاجتماعية، وبالاستناد إلى قواعد البيانات الرسمية المتاحة لدى الجهات المعنية، بما يضمن وصول الدعم إلى الفئات الأولى بالرعاية واستبعاد غير المستحقين".
وتشمل هذه المؤشرات، امتلاك سيارات حديثة أو مرتفعة القيمة، أو امتلاك أكثر من سيارة، أو استيراد سيارات من الخارج، أو الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة، أو سداد مصروفات التعليم الدولي أو الخاص، أو امتلاك شركات، أو سداد ضريبة القيمة المضافة عن الشركات، أو سداد رسوم جمركية مرتبطة بعمليات الاستيراد أو التصدير، أو حيازة أراضٍ زراعية تزيد مساحتها على عشرة أفدنة، وذلك بما يحقق أعلى درجات العدالة في توجيه الدعم إلى مستحقيه.
هل التحول للدعم النقدي مفيد للمواطنين وللحكومة؟
الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع يوضح لـ 24 "الاقتصاد يعلمنا أن الأصل في الدعم أن يذهب إلى المواطن لا إلى السلعة، ومن خلال الممارسة العملية الدعم العيني يخلق تشوهات في الأسواق، ويتسرّب جانب منه إلى غير مستحقيه، وجانب آخر يستهلك في قنواته اللوجستية والتنظيمية". كذلك يفرض الدعم العيني "على الدولة أعباءً تشغيلية وإدارية ولوجستية ضخمة"، حسبما يضيف نافع. ويرى أيضاً أن الدعم النقدي "يمنح المستهدفين به حرية الاختيار، ويخفّض كلفة الإدارة، ويزيد من شفافية الإنفاق العام، ويتيح للحكومة قياس أثر سياساتها الاجتماعية بصورة أكثر دقة".
وللحفاظ على قيمة الدعم النقدي يضيف الدكتور مدحت نافع "المواطن لا يستهلك الأموال وإنما يستهلك ما تشتريه الأموال. وإذا ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 20% بينما ظلت قيمة الدعم ثابتة، فإن الحكومة تكون خفضت الدعم فعلياً وإن لم تعلن ذلك رسمياً". ويشير إلى أن "التجارب الدولية الناجحة لم تبدأ بتحويل الأموال وإنما بدأت ببناء قواعد بيانات دقيقة"، لافتاً إلى أن "في مصر "قطعت شوطاً مهماً في هذا المجال، لكن ما زالت هناك حاجة إلى مزيد من التكامل بين قواعد بيانات الضرائب والتأمينات والعقارات والمركبات والخدمات المختلفة".
ويخلص إلى القول: "من هذا المنطلق أرى أن الطريق الأمثل هو التحول التدريجي والمدروس نحو الدعم النقدي، مع بناء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة باستمرار، وربط قيمة الدعم بالتضخم الفعلي الذي تواجهه الأسر المستفيدة، وتعزيز الشمول المالي من خلال الأدوات الرقمية، والإبقاء على قدرة الدولة على التدخل عند الضرورة لحماية الأمن الغذائي أو مواجهة الأزمات الاستثنائية".