أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي الصادرة يوم الخميس، تباطؤاً ملحوظاً في نمو الوظائف خلال شهر يونيو (حزيران) 2026، في إشارة إلى تراجع الزخم الذي ميز سوق العمل الأمريكي خلال الأشهر الماضية.
ويكشف التقرير ارتفاع عدد الوظائف غير الزراعية بمقدار 57 ألف وظيفة فقط، وهو مستوى جاء أقل بكثير من توقعات الأسواق، كما جاء بعد مراجعات هبوطية لبيانات شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، ما أضعف الصورة الإيجابية التي رسمتها التقارير السابقة، بحسب بيانات تناولتها وسائل إعلام أمريكية.
وفي الوقت ذاته، تقول وكالة "بلومبيرغ" إن "معدل البطالة انخفض إلى 4.2%، إلا أن هذا الانخفاض لم يكن ناتجاً عن تحسن قوي في التوظيف، بل تزامن مع هبوط واضح في معدل المشاركة في القوى العاملة، الذي تراجع إلى 61.5%، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من خمس سنوات".
وتعكس هذه النتائج أن "سوق العمل الأمريكي بدأ يفقد زخمه تدريجياً، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكلفة الاقتراض، الأمر الذي دفع الشركات إلى تبني نهج أكثر تحفظاً في التوظيف"، بحسب خبراء.
انكماش بقيادة قطاعي الترفيه والخدمات
وتظهر تفاصيل التقرير أن "التراجع لم يكن محصوراً في قطاع واحد، بل امتد إلى عدد من الأنشطة الاقتصادية"، مع تسجيل قطاع الترفيه والضيافة "أكبر خسارة شهرية في الوظائف منذ عام 2020". وفقد القطاع 61 ألف وظيفة خلال يونيو (حزيران)، وهو ما عزاه مكتب إحصاءات العمل، إلى "ضعف غير معتاد في التوظيف الموسمي" مقارنة بالسنوات السابقة.
ويقول مراقبون إن هذا الانخفاض يعكس "انتهاء موجة التوظيف المؤقت" التي سبقت انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم في الولايات المتحدة، بعدما سارعت الشركات خلال مايو (أيار) إلى توظيف أعداد كبيرة استعداداً للحدث، قبل أن تعيد تقليص تلك الوظائف مع بداية يونيو (حزيران). ويعد هذا التطور مؤشراً على أن "الطلب الاستثنائي على العمالة" الذي شهدته بعض القطاعات خلال الأشهر الماضية لم يكن مستداماً، بل ارتبط بعوامل موسمية ومؤقتة، بحسب تقرير مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
نزيف في قطاع التكنولوجيا
ويواصل قطاع المعلومات والتكنولوجيا تسجيل خسائر في الوظائف، حيث انخفض التوظيف فيه للشهر السابع عشر من أصل آخر ثمانية عشر شهراً، في "واحدة من أطول موجات الانكماش" التي يشهدها القطاع منذ سنوات.
ويعود ذلك إلى استمرار شركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها ميتا ومايكروسوفت، في تنفيذ خطط لـ "إعادة هيكلة القوى العاملة"، بهدف تعويض الارتفاع الكبير في الإنفاق الرأسمالي الموجه إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. وتشير هذه التحولات إلى أن شركات التكنولوجيا أصبحت تفضل "رفع الإنتاجية عبر الاستثمار في التقنيات الحديثة" بدلاً من العمالة البشرية، وهو اتجاه قد يستمر خلال الفترة المقبلة.
طفرة "الذكاء الاصطناعي" تضرب الأسواق.. اقتصاد أمريكا أمام موجة تضخمية ثالثة - موقع 24بعد انحسار غبار الحروب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبدأت أسعار الوقود في الانخفاض أخيراً، يطل التضخم بمحفز جديد على صهوة التوسع الهائل للذكاء الاصطناعي. في أمريكا، هذه الموجة تدفع أسعار كل شيء للارتفاع، بدءاً من الهواتف الذكية ووصولاً إلى الكهرباء.
قطاعات واصلت دعم سوق العمل
على الرغم من التباطؤ العام، استمرت "بعض القطاعات في توفير فرص عمل جديدة، وإن بوتيرة أقل من المعتاد، فقد أضاف قطاع الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية 21.5 ألف وظيفة خلال يونيو (حزيران)، إلا أن هذا الرقم لا يزال أقل بكثير من متوسط الزيادة الشهرية المسجل خلال العام الماضي، والبالغ نحو 38 ألف وظيفة"، بحسب التقرير.
ويسجل قطاعا البناء والتصنيع "مكاسب محدودة في الوظائف، مدعومة باستمرار الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية ومراكز البيانات، رغم استمرار ارتفاع أسعار الفائدة الذي يضغط على نشاط البناء السكني"، مما يشير إلى أن النمو الحالي في الوظائف أصبح يعتمد بصورة أكبر على "القطاعات الدفاعية التي تتميز باستقرار الطلب"، بحسب بلومبرغ.
ضغوط السياسة النقدية
ويرى اقتصاديون أن تباطؤ التوظيف يرتبط بشكل مباشر باستمرار "السياسة النقدية المتشددة" التي ينتهجها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث لا تزال أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة تهدف إلى كبح التضخم، الأمر الذي أدى إلى زيادة حذر الشركات تجاه التوسع في التوظيف أو تنفيذ استثمارات جديدة، خصوصاً مع استمرار الضبابية بشأن مستقبل الاقتصاد الأمريكي.
ورغم أن الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي أظهر قدراً من الصمود خلال الأشهر الماضية، حتى في ظل اضطرابات أسواق الطاقة الناتجة عن الحرب بين إيران والولايات المتحدة، فإن ارتفاع الأسعار استمر في التأثير سلباً على "ثقة المستهلكين وأصحاب الأعمال".
ويوضح عدد من المحللين أن تباطؤ سوق العمل قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي "مساحة أكبر للإبقاء على أسعار الفائدة دون رفع إضافي في الأجل القريب". ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن سيما شاه، كبيرة الاستراتيجيين العالميين في شركة "برنسيبال لإدارة الأصول"، أن بيانات يونيو تشير إلى "سوق عمل أكثر هدوءاً" مما اعتاد عليه المستثمرون خلال العامين الماضيين، وهو ما يقلل من مخاطر "استمرار ضغوط الأجور على التضخم".
هل يعكس التقرير بداية ضعف اقتصادي أم تباطؤاً طبيعياً؟
يرى فريق من الاقتصاديين أن التقرير يحمل إشارات تستحق المتابعة، خاصة أن ضعف نمو الوظائف جاء متزامناً مع "انخفاض واضح في معدل المشاركة في القوى العاملة". كما أشار الاقتصادي صامويل تومبس من شركة "بانثيون ماكروإيكونوميكس" إلى أن انخفاض البطالة إلى 4.2% لا يعكس بالضرورة قوة سوق العمل، بل يرجع بدرجة كبيرة إلى "خروج بعض الفئات من سوق العمل"، بحسب وول ستريت جورنال.
في المقابل، يرى عدد آخر من الخبراء أن التقرير لا يشير إلى ركود اقتصادي وشيك، بل يعكس "عودة سوق العمل إلى معدلات نمو أكثر استدامة". وأشار إريك وينوغراد، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في شركة "أليانز بيرنشتاين" لإدارة الأصول، إلى أن التقرير جاء أضعف من المتوقع، لكنه "لا يمثل انهياراً في سوق العمل"، بل يعكس تباطؤاً طبيعياً يتماشى مع تباطؤ النمو الاقتصادي الكلي، ووفقاً للصحيفة ذاتها.
صدمة لترامب
ويتزامن صدور التقرير مع مؤشرات مقلقة لإدارة ترامب، إذ أظهرت استطلاعات الرأي الأحدث الصادرة عن مؤسسة "رويترز/إبسوس" وصحيفة "إيكونوميست" أن نسبة عدم الرضا عن إدارة ترامب للملف الاقتصادي بلغت مستوى قياسياً يمثل 63% من الأمريكيين، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للمجالس التشريعية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
استطلاع صادم لشعبية ترامب جرّاء أسعار الوقود - موقع 24أفادت نتائج استطلاع جديد أن غالبية الأمريكيين يحمّلون الرئيس دونالد ترامب مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود، في ظل تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد العالمي.