بعد سنوات طويلة من اعتباره الملاذ الأكثر أماناً لمدخرات المصريين، يبدو أن الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب في عام 2026، والذي أعقبه انخفاض بأكثر من 22% خلال الأشهر الأخيرة، سيقود المشهد الاقتصادي لتحولات كبرى، لا سيما بشأن البدائل الاستثمارية التي قد تحمي تلك المدخرات بشكل أكبر.
أكبر خسائر المستثمرين غالباً ما تنتج عن القرارات العاطفية، لذلك يجب النظر إلى الذهب باعتباره وعاءً ادخارياً طويل الأجل، وليس وسيلة لتحقيق أرباح سريعة.
التحركات السعرية العنيفة وما حدث خلال الآونة الأخيرة لم يغيرا من مكانة الذهب كأحد أهم أوعية الادخار والتحوط لدى المصريين، لكنهما كانا بمثابة درس استثماري مهم لمن اندفعوا إلى الشراء عند المستويات القياسية المرتفعة تحت تأثير المخاوف.
بعد ارتفاع قياسي بلغ 7600 جنيه مصري لغرام الذهب عيار 21، في الربع الأول من عام 2026، انخفض إلى 5875 جنيهاً في الربع الثاني من العام ذاته، أي بأكثر من 1700 جنيه، متأثراً بتراجع الأسعار العالمية وانخفاض سعر الدولار في السوق المحلية، وهو ما أدى إلى تقلص القيمة السوقية لما اشتراه آلاف المصريين عند مستويات الأسعار المرتفعة.
لذلك تزايدت تساؤلات المدخرين بشأن ما إذا كانت الأسعار تتجه إلى مزيد من التراجع، أم أن السوق تمر فقط بمرحلة تصحيح مؤقتة تسبق استعادة الاتجاه الصاعد.
تراجع أم تصحيح مسار؟
يوضح المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة "آي صاغة"، في تصريحاته لـ 24، أن "التراجع الحالي يُمثل في الأساس حركة تصحيح طبيعية ضمن اتجاه طويل الأجل لا يزال إيجابياً، وليس بداية لانهيار في سوق الذهب".
ويضيف "قوة الدولار وتوقعات أسعار الفائدة مارستا ضغوطاً على الأسعار مؤخراً، إلا أن السوق ما زالت مدعومة بعوامل قوية، من بينها استمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الدين العالمي، واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي".
ويرجح "إمبابي" استمرار حالة التذبذب خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن أي توجه من الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة أو تراجع قوة الدولار قد يعيد الزخم إلى أسعار الذهب. كما يتوقع استمرار التقلبات على المدى القصير، مع بقاء فرص الصعود قائمة على المديين المتوسط والطويل إذا عادت العوامل الداعمة للظهور.
كيف يتعامل المدخرون مع التراجع؟
ويشير المدير التنفيذي لـ"آي صاغة"، إلى أن المصريين الذين اشتروا الذهب عند مستويات قياسية لم يتكبدوا خسائر فعلية ما لم يقوموا بالبيع، معتبراً أن ما تحقق حتى الآن هو "خسارة دفترية" فقط.
كما نصح حائزي الذهب بعدم اتخاذ قرارات البيع أو الشراء بدافع الخوف أو الطمع، مؤكداً أن أكبر خسائر المستثمرين غالباً ما تنتج عن القرارات العاطفية، مع ضرورة النظر إلى الذهب باعتباره وعاءً ادخارياً طويل الأجل، وليس وسيلة لتحقيق أرباح سريعة.
ويشدد "إمبابي" في الوقت ذاته على أهمية تنويع المدخرات وعدم تركيز رأس المال في وعاء استثماري واحد، موضحاً أن توزيعها بين الذهب والسيولة والأوعية الاستثمارية الأخرى المناسبة لاحتياجات كل فرد يسهم في تقليل المخاطر وتحقيق توازن أفضل.

هل لا يزال الذهب الملاذ الآمن لمدخرات المصريين؟
وحول ما إذا كان الذهب قد فقد قوته كوعاء ادخاري للأفراد، يؤكد لطفي منيب، نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية بمصر، في حديثه لـ 24 "التحركات السعرية العنيفة وما حدث خلال الآونة الأخيرة لم يغيرا من مكانة الذهب كأحد أهم أوعية الادخار والتحوط لدى المصريين، لكنه كان بمثابة درس استثماري مهم لمن اندفعوا إلى الشراء عند مستويات قياسية مرتفعة تحت تأثير المخاوف والتغطيات الإعلامية المكثفة".
ويضيف منيب "كان من الطبيعي أن يتخلى الذهب لاحقاً عن جزء من العلاوة السعرية المرتبطة بحالة الخوف وعدم اليقين التي كانت تسيطر على الأسواق العالمية خلال تلك الفترة، وأن يشهد السوق موجة تصحيح تعيد الأسعار إلى مستويات أكثر اتزاناً".
لذلك يشدّد في حديثه على أنه "لا ينبغي التسرع الآن في بيع الذهب بدافع الخوف من تراجع الأسعار"، لأن البيع خلال فترات الهبوط يحول الخسائر الدفترية الناتجة عن انخفاض القيمة السوقية للذهب إلى خسائر فعلية لا يمكن تعويضها بعد التخارج من الاستثمار.
ويختتم نائب رئيس شعبة الذهب تصريحاته بأن الصبر يظل الخيار الأكثر عقلانية لمن اشترى عند المستويات المرتفعة، طالما لا توجد حاجة ملحة للبيع، باعتبار أن الذهب أصل ادخاري طويل الأجل، ومن المرجح أن تتاح له فرص جديدة للصعود مع تغير الظروف الاقتصادية والمالية العالمية، وربما يكون ذلك أقرب مما يتوقعه كثيرون، على حد تعبيره.