شهدت قمة الناتو في أنقرة تصعيداً في ضغوط أمريكا على حلفائها لزيادة معدل الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة اقتصادية معقدة، بين زيادة الإنفاق الدفاعي والحفاظ على استقرار القطاعات الحيوية الأخرى.

وتضغط واشنطن لتجاوز هدف الإنفاق الدفاعي القديم المتمثل في 2% من الناتج، وتطالب برفع سقف الطموح إلى 3.5% للدفاع العسكري، و1.5% للأمن والبنية التحتية والمرونة، ليصل الإجمالي إلى 5% بحلول 2035، مع وضع 2029 كمحطة لمراجعة التقدم المحرز.

وتأسس حلف شمال الأطلسي في 4 أبريل (نيسان) 1949، بتوقيع 12 دولة من أوروبا وأمريكا الشمالية على معاهدة واشنطن، قبل أن يتوسع عبر موجات متتالية ليصل اليوم إلى 32 دولة، كما تحتفظ واشنطن بوجود عسكري واسع في أوروبا، يتمركز في دول أعضاء مثل ألمانيا وإيطاليا وبولندا والمملكة المتحدة، إلى جانب انتشار دوري وتدريبات في دول بشرق أوروبا، بينها بلغاريا وإستونيا والمجر ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا، ضمن ترتيبات الردع والتدريب.

وتشير تقديرات مجلس العلاقات الخارجية إلى أن عدد القوات الأمريكية في أوروبا، يتراوح منذ حرب أوكرانيا بين 75 ألفاً و105 آلاف عسكري، تبعاً للتناوب والمناورات والانتشار الطارئ.

 تقاسم جديد للأعباء 

الضغط الأمريكي لم يبدأ مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أنه وصل في عهده إلى مستوى غير مسبوق من الحدة والوضوح. وترى واشنطن أنها تتحمل حصة غير متناسبة من كلفة الدفاع عن الحلف، وفي المقابل تستفيد دول أوروبية من المظلة الأمريكية وتوجه نسبة أكبر من مواردها إلى الخدمات العامة وبرامج الدولة.

وتستند الولايات المتحدة في حجتها إلى بيانات 2025، إذ أنفقت 980 مليار دولار من إجمالي 1.588 تريليون دولار، ما يعادل 62% من الإنفاق العسكري للحلف، في وقت أنفقت فيه أوروبا وكندا مجتمعتين 608 مليارات دولار، وفق تقديرات الناتو.

ومع عودة المنافسة الجيوسياسية تحولت قضية "تقاسم الأعباء" إلى "أداة ضغط سياسي واقتصادي"، وبحسب اتفاق لاهاي العام الماضي بإنفاق 5% من الناتج المحلي على الدفاع بحلول 2035، ينتقل الإنفاق من "مجرد مطلب أمريكي إلى التزام رسمي تتبناه دول الحلف"، وفق وكالة رويترز.

أمريكا تتصدر الإنفاق وأوروبا تسرع الوتيرة 

يعكس الإنفاق الدفاعي داخل أوروبا وكندا بين عامي 2014 و2025 تحولاً سريعاً في إعادة التسلح، إذ تضاعف إنفاقهما ليصل إلى 574 مليار دولار، مع قفزة بنسبة 20% خلال العام الماضي وحده.

وتكشف بيانات الناتو أن أكبر التحولات منذ 2014 لم تقع في الاقتصادات الكبرى، بل في الدول القريبة جغرافياً من روسيا، إذ تصدرت بولندا القائمة بـ 4.48%، تلتها ليتوانيا 4%، ثم لاتفيا 3.73%، والنرويج 3.35%، والدنمارك 3.22%. ما يؤكد تفوق عامل التهديد الجغرافي في تحديد الأوليات المالية على حجم الاقتصاد. 

في المقابل، تمضي الولايات المتحدة في "اتجاه معاكس"، مع تراجع إنفاقها إلى 3.22% في 2025 مقارنة بـ 3.71% في 2014، لكنها تواصل صدارة الإنفاق بفارق 935 مليار دولار، عن أقرب منافسيها ألمانيا التي تأتي ثانياً بـ 93.7 مليار دولار، تليها المملكة المتحدة 84.2 مليار دولار، وفرنسا 64.5 مليار دولار، وفق بيانات الناتو.

وهنا، تستدعي ثنائية الأرقام ضرورة التمييز بين حجم الإنفاق المطلق، ومقدار التضحية الاقتصادية التي تقدمها كل دولة من ناتجها الإجمالي، في معادلة تشذ عنها أيسلندا كعضو في الحلف لا يمتلك هيكلاً عسكرياً دائماً.

الإنفاق يضغط على الاقتصاد 

يؤكد صندوق النقد الدولي أن "زيادة الإنفاق العسكري لا يُترجم تلقائياً إلى انكماش في موازنات الصحة والتعليم، إذ يعتمد الأثر أساساً على هندسة التمويل التي تتبناها الحكومات".

وتشير دراسة واسعة للصندوق تغطي 164 دولة منذ 1946، إلى أن ثلثي الزيادات الكبيرة في الإنفاق تُموَّل عبر زيادة العجز، ويظهر الضغط على الإنفاق الاجتماعي عندما تعيد الحكومات ترتيب أولويات الموازنة.

وفي تصريح خاص لـ24 من لندن، يقول خبير الاقتصاد الدكتور محمد العطيفي، إن "رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي يمثل تحدياً مالياً كبيراً لمعظم الدول الأوروبية، ولذلك من غير المرجح أن تعتمد الحكومات على وسيلة واحدة للتمويل، بل على مزيج من الاقتراض ورفع بعض الضرائب وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام".

ويوضح العطيفي أن "الاقتراض سيكون الخيار الأسرع، خصوصاً للدول التي تحتاج إلى زيادة الإنفاق الدفاعي خلال سنوات قليلة، عبر إصدار سندات جديدة أو طرح فكرة الاقتراض الأوروبي المشترك لتمويل بعض المشروعات الدفاعية، إلى جانب احتمال رفع ضرائب على الشركات أو الدخول المرتفعة، مع ضرورة الحذر من أثر الضرائب المرتفعة على النمو".

في المقابل، تحذر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أنه "رغم دعم الإنفاق الدفاعي للنشاط الاقتصادي، إلا أن تمويله بخفض الإنفاق المدني يضغط مباشرة على الصحة والتعليم والسياسات الاجتماعية، ويرفع التمويل بالاستدانة أعباء الفائدة مستقبلاً".

ويرى العطيفي أن المواطن الأوروبي قد يتحمل جزءاً من تكلفة سباق التسلح، لكن حجم الأثر سيختلف من دولة إلى أخرى بحسب أوضاعها المالية وقدرتها على الاقتراض، ويوضح أن "ذلك قد يظهر في تباطؤ نمو الإنفاق الاجتماعي، وليس بالضرورة خفضه مباشرة، أو في ارتفاع بعض الضرائب والرسوم، أو تأجيل مشروعات بنية تحتية وخدمات عامة لإفساح المجال للإنفاق الدفاعي".

ويؤكد خبير الاقتصاد أن ألمانيا تملك قدرة أكبر نسبياً على الاقتراض بعد تخفيف القيود المالية، وتواجه بريطانيا ضغوطاً مالية تدفعها إلى مزيج من الاقتراض ورفع بعض الضرائب وضبط الإنفاق العام. في المقابل، تبدو مهمة فرنسا وإيطاليا أكثر صعوبة بسبب ارتفاع مستويات الدين، ما يفتح الباب أمام منافسة متزايدة داخل الموازنات الأوروبية بين الدفاع والأمن، والرعاية الاجتماعية والصحة، والاستثمار في البنية التحتية والتحول الأخضر والرقمنة.

السويد "نموذج استثنائي"

تمثل السويد حالة خاصة للتحول الأمني في أوروبا. فمنذ انتقالها من الحياد العسكري إلى عضوية الناتو في 2024، ارتفع إنفاقها الدفاعي من 1.07% في 2014 إلى 2.51% في 2025، بارتفاع 186%، مع استهداف الوصول إلى 3.5% بحلول 2030، قبل الموعد النهائي المحدد للناتو بخمس سنوات.

وتتجه السويد إلى نموذج يقوم على المرونة المالية والاقتراض لتمويل الطفرة العسكرية، إذ تتفق الأحزاب على استثناء الإنفاق الدفاعي ودعم أوكرانيا من قيود العجز التقليدية للموازنة خلال الفترة (2026-2034)، إلا أن الكلفة الاقتصادية تبدأ في الظهور مع تراجع الرصيد المالي وارتفاع الدين العام من 32.2% في 2023 إلى 35.1% في 2025، وسط توقعات بارتفاعه إلى 36.6% في 2026، و37.7% في 2027، بحسب البنك المركزي الأوروبي.

يعني ذلك أن الصحة والتعليم في البلاد لا تتحملان حتى الآن كلفة مباشرة للزيادة، لكن تصاعد تكاليف شيخوخة السكان والرعاية الصحية، إلى جانب الضغوط على المالية العامة وارتفاع الديون، يفتح الباب أمام تساؤلات حول استدامة النموذج مستقبلاً، وفق البنك.

تركيا.. التسلح سياسة صناعية 

وعلى خلاف النموذج السويدي، تربط تركيا الإنفاق العسكري بتنمية القاعدة الصناعية المحلية، إذ ارتفع إنفاقها من 1.45% في 2014 إلى 2.33% في 2025، مع نمو حقيقي بمعدل 164%، وفق بيانات الناتو.

ويسهم النموذج في تحويل جزء من فاتورة تسلح أنقرة إلى استثمارات في الإنتاج والتكنولوجيا والصادرات، لكنه لا يلغي الكلفة الاقتصادية في ظل الضغوط التضخمية والحاجة إلى توفير موارد مالية أكبر لتغطية الإنفاق مستقبلاً.