لم تعد العقوبات المفروضة على إيران مجرد أداة ضغط سياسية، بل أصبحت تحدياً اقتصادياً طويل الأمد. ومع تداعيات الحرب الأخيرة وتشديد القيود على صادرات النفط، تواجه طهران ضغوطاً متزايدة تضاف إلى اختلالات اقتصادية تراكمت على مدى عقود.
الأزمة الإيرانية الاقتصادية لم تبدأ مع الحرب، إذ تركت العقوبات الممتدة لأكثر من أربعة عقود آثاراً عميقة على مسار النمو والاستثمار. وتقدّر دراسة أكاديمية نشرتها دورية "Journal of Applied Econometrics" عام 2023، أن متوسط النمو السنوي للاقتصاد الإيراني كان يمكن أن يتراوح بين 4% و5% في غياب العقوبات، مقابل نحو 3% تحقق فعلياً، ما أدى إلى خسارة تقارب نقطتين مئويتين سنوياً منذ نهاية الثمانينيات، أي أن حجم الاقتصاد اليوم يقارب نصف ما كان يمكن أن يبلغه.
وانعكس ذلك مباشرة على مستوى المعيشة، إذ انهار نصيب الفرد من الدخل من نحو 8 آلاف دولار عام 2012 إلى قرابة 5 آلاف دولار عام 2024، بحسب تحليل لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD).
ولا تقف العقوبات وحدها وراء التدهور، فسوء الإدارة والفساد يشكلان وجهاً آخر للأزمة، إذ تحتل إيران المرتبة 153 من بين 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، بنتيجة 23 نقطة من أصل 100 دون تغيير عن العام السابق، وبفارق واسع عن المتوسط العالمي البالغ 43 نقطة. فيما ربط تقرير المنظمة عن نتائج 2024 تدني الترتيب بأزمة اقتصادية متفاقمة وسوء إدارة داخلية وأنشطة مالية غير مشروعة، ترافقت مع أزمة طاقة وانقطاعات متكررة للكهرباء عطلت الإنتاج الزراعي والصناعي.
فاتورة الحرب
تضاعف الحرب النزيف، إذ قدرت وكالة "بلومبرغ" في 22 أبريل (نسيان)، الأضرار المباشرة وغير المباشرة للحرب بنحو 270 مليار دولار، فيما لا يتوقع صندوق النقد الدولي أي تعافٍ للاقتصاد قبل 2027، وسط تقديرات بتبخر نحو مليوني وظيفة.
وترسم توقعات الصندوق الدولي صورة قاتمة لـ 2026، إذ توقّع تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر في أبريل 2026، "انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6.1% خلال العام، مع تضخم يبلغ 68.9%".
وتسبب تدهور الاقتصاد الإيراني، المتمثل في الارتفاع القياسي لمعدلات التضخم وتهاوي العملة المحلية، في اندلاع احتجاجات جماهيرية واسعة نهاية 2025.
النفط.. شريان مخنوق
تواجه صادرات النفط الإيرانية قيوداً متزايدة، رغم اعتماد طهران على أسواق آسيوية، وفي مقدمتها الصين. ووفق بيانات شركة "كبلر" لتتبع الشحنات، تراجعت حصة النفط الإيراني من واردات الصين من نحو 14% خلال العام الماضي إلى أقل من 11% في مايو (أيار) 2026، بعد زيادة بكين مشترياتها من الخام منخفض التكلفة خلال الفترة السابقة.
ومع تشديد القيود الأمريكية، تعتمد إيران بصورة أكبر على قنوات تصدير غير تقليدية، من بينها ما يعرف بـ"أسطول الظل"، ما يفرض عليها بيع النفط بخصومات ويقلل من العائدات.
ويرى الباحث في الشأن الإيراني الدكتور علي عاطف، أن العقوبات الأمريكية أثرت على الاقتصاد الإيراني على مدى عقود، مشيراً إلى أن استمرار القيود على القطاع النفطي والنظام المالي حدّ من قدرة طهران على الاستفادة الكاملة من مواردها.
ويضيف عاطف لـ"24" أن إيران لا تزال مدرجة على القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، وتحاول تجاوز القيود عبر تصدير النفط بطرق بديلة وبأسعار أقل من الأسعار الرسمية، ما يحرمها من جزء كبير من الإيرادات.
ويوضح أن الضغوط الخارجية انعكست بشكل مباشر على الداخل الإيراني، مع تراجع قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات وتحقيق نمو مستدام.