تصدر المنتخب النرويجي قائمة أكثر بعثات كأس العالم 2026 إنفاقاً وتعقيداً لوجستياً في ملف التغذية، متفوقاً على منتخبات تاريخية بتقاليدها الغذائية الراسخة مثل الأرجنتين والبرازيل. فبدل الاكتفاء بطاهٍ خاص أو قائمة طعام محلية، نظم الاتحاد النرويجي جسراً جوياً كاملاً لشحن الطعام من أوسلو مباشرة إلى معسكر الفريق في غرينسبورو بولاية نورث كارولاينا.

وأكد الطاهي الرئيسي للبعثة، آرون إسبيلاند، لوكالة "أسوشيتد برس" أن الشحنة بلغت نحو 580 كيلوغراماً، شملت 300 كيلوغرام من السلمون وتراوت السلمون النرويجي، و100 كيلوغرام من سمك الهلبوت، إضافة إلى 80 كيلوغراماً من الجبن البني النرويجي التقليدي و100 كيلوغرام من جبن الجارلسبرغ، أي ما مجموعه 400 كيلوغرام من الأسماك و180 كيلوغراماً من الأجبان.

أرقام الشحنة بـ"العملة الصعبة"
بحساب تقديري استناداً إلى الأسعار العالمية الحالية لهذه المكونات الفاخرة، تصل القيمة المباشرة للمواد الغذائية وحدها إلى ما بين 12,500 و15,000 دولار أمريكي: فمتوسط سعر الكيلوغرام الفاخر من السلمون وتراوت السلمون الأطلسي يتراوح بين 15 و20 دولاراً، أي قرابة 4,500 إلى 6,000 دولار لكامل الكمية المشحونة، فيما يُعد الهلبوت من الأسماك البيضاء الأعلى ثمناً، بسعر يتراوح بين 35 و50 دولاراً للكيلوغرام، أي ما يقارب 3,500 إلى 5,000 دولار. أما الأجبان النرويجية المصدَّرة، فيبلغ متوسط سعر الكيلوغرام منها بين 12 و15 دولاراً، بما يعادل 2,200 إلى 2,700 دولار للكمية الكاملة.

لكن القيمة الحقيقية الأكبر تكمن في اللوجستيات لا في المكونات ذاتها. فنقل نحو 600 كيلوغرام من الأغذية الطازجة الحساسة عبر سلسلة تبريد متكاملة، من طائرة مخصصة إلى صناديق مبردة، يتطلب ميزانية شحن جوي تتخطى وحدها 15,000 إلى 20,000 دولار لضمان وصول الأسماك دون تلف، إلى جانب تكاليف إضافية للتخليص الفيدرالي والجمارك الأمريكية، إذ يستوجب إدخال منتجات الألبان غير المبسترة والأسماك الطازجة تصاريح صحية مستعجلة من هيئتي الغذاء والدواء ووزارة الزراعة الأمريكيتين، ورسوماً وفحوصات دقيقة ترفع الفاتورة النهائية بشكل ملحوظ. وبجمع هذه العناصر مجتمعة، تقفز التكلفة الإجمالية التقديرية للشحنة الواحدة إلى ما بين 30,000 و45,000 دولار أمريكي، بحسب أسعار مصادر متخصصة في تتبع أسواق الأسماك والألبان العالمية مثل "سيفوود سورس" و"تريدج".

وشدّد إسبيلاند على أن الهدف لم يكن الشك في جودة الطعام الأمريكي، وإنما ضمان حصول اللاعبين على أطعمة مألوفة تحافظ على ثبات نظامهم الغذائي طوال فترة إقامة امتدت لقرابة 6 أسابيع، بحسب ما نقلته "ياهو سبورتس". ورافق الطاقم الفني ثلاثة طهاة إسكندنافيين مخصصين لإعداد 4 وجبات يومية لقرابة 60 شخصاً من اللاعبين والإداريين.

6,000 سعرة حرارية يومياً

في قلب هذه الشحنة الغذائية الضخمة، يستهلك "الدبابة" إيرلينغ هالاند وحده نحو 6,000 سعرة حرارية يومياً موزعة على 6 وجبات، وفقاً لما نقلته مجلة "فوربس"، لمواجهة المجهود البدني لجسده البالغ طوله 1.95 متر. ومع أن مشوار هالاند في مونديال 2026 انتهى بخسارة النرويج أمام إنجلترا 1-2 في ربع النهائي، بعد رصيد 7 أهداف قاده لأول تأهل تاريخي لبلاده لهذا الدور، تبقى تفاصيل نظامه الغذائي الباهظ قصة اقتصادية قائمة بذاتها.

يعتمد نجم مانشستر سيتي على ما يوصف بـ"حمية الأجداد" التي تركز على الأطعمة الطبيعية غير المصنعة، وتشمل أعضاء حيوية مثل قلوب وأكباد البقر، إلى جانب شطيرة ضخمة تصل قيمتها الحرارية وحدها إلى 1,100 سعرة، وشريحة لحم "توماهاوك" يبلغ وزنها 2.5 رطل (قرابة 1.1 كيلوغرام)، إضافة إلى البيض الطازج والحليب الخام والعسل العضوي، بحسب تقرير مفصل نشرته مجلة "سبورتس إلستريتد". وحين حاولت مراسلة برنامج "سي بي إس مورنينغز" لي كينيري تكرار هذا النظام يوماً واحداً، أنجزت الإفطار والغداء دون مشكلة، لكنها استسلمت أمام شريحة اللحم الضخمة في العشاء واضطرت لطلب مساعدة طاقم التصوير لإنهائها.

من الأسادو الأرجنتيني إلى "آيس كريم" البروتين البرازيلي
لا تنفرد النرويج بهذا المستوى من العناية اللوجستية بالطعام. فبحسب تقرير نشرته منصة "ويغو" السياحية استناداً إلى تغطيات "بي إن سبورتس" و"إي إس بي إن"، حافظ المنتخب الأرجنتيني حامل اللقب على تقليده الراسخ في جلب اللحوم الفاخرة لحفلات "الأسادو" التقليدية، بإشراف الطاهي دييغو إياكوفوني الذي يخوض نسخته السابعة على التوالي مع المنتخب. ونقلت "سنترال أوريغون ديلي" أن الطاهي يدير مخزوناً يصل إلى 500 كيلوغرام من اللحوم المستوردة من الأرجنتين لتلبية طلبات اللاعبين المتنوعة من شرائح الأضلاع واللحم المشوي والنقانق، فيما يحرص ليونيل ميسي وزملاؤه على مرافقة كؤوس شاي "المتة" التقليدية في كل مكان يذهبون إليه.

أما البرازيل، فاختارت مساراً مختلفاً كلياً يعتمد على التكنولوجيا بدل التقاليد. فوفقاً لما ذكرته مجلة "أوبن"، أنشأ الاتحاد البرازيلي معسكراً متطوراً على مساحة 32 هكتاراً في منشأة "كولومبيا بارك" بولاية نيوجيرسي، ضم مطبخاً مجهزاً بالكامل يتضمن آلة متخصصة لإنتاج "آيس كريم بروتين" مخصصة لتسريع الاستشفاء العضلي للاعبين بعد الحصص التدريبية. وفي المعسكر الإنجليزي، يدير الطاهي عمر مزيان، بحسب "جول"، مطبخاً منعزلاً بالكامل عن مطبخ الفندق المضيف، يركز على وجبات مصممة علمياً لتسريع التعافي من إجهاد المباريات تحت إشراف طبي مباشر.

وتحرص بعثات أخرى على الثبات الغذائي بقدر التركيز على الجودة، إذ حافظت اليابان لعقدين كاملين على القائمة الغذائية ذاتها قبل كل مباراة، بإشراف الطاهي يوشيتيرو نيشي الذي طهى للمنتخب في 5 نسخ متتالية من المونديال، وتتضمن قائمة "الساموراي" شريحة لحم مفروم على الطريقة اليابانية، وسمك السابلفيش المشوي المتبل بالميسو، وثعبان الأنقليس المشوي "أوناغي".

في المقابل، اختارت أستراليا نهجاً مختلفاً وبسيطاً لدعم لاعبيها، فاصطحبت صانعة القهوة المحترفة أليكسيا راليفسكي، التي أعدّت نحو 80 كوباً من القهوة يومياً للاعبين وأفراد الجهاز الفني. وسرعان ما تحول مشروب "ماجيك"، المفضل لدى المهاجم جيمي ماكلارين، وهو مزيج من جرعتي إسبريسو مع كمية قليلة من الحليب، إلى المشروب الأكثر طلباً بين زملائه في المنتخب.

أما فرنسا، فتنتهج نظاماً مزدوجاً بحسب صحيفة "بوسطن غلوب"، إذ يعتمد اللاعبون على وجبات خفيفة ومشروبات تغذية خاصة بهم في مقر التدريب داخل جامعة "بنتلي" قرب بوسطن، بينما تُقدَّم وجباتهم الرئيسية في فندق "فور سيزونز" الفاخر الذي يقيمون فيه.