يترقب الاقتصاد السوري نتائج قرار الإدارة الأمريكية البدء بإجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة يعدها اقتصاديون ورجال أعمال نقطة تحول محتملة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي، بعد خمسة عقود من العزلة ونحو عقدين من القيود التي أثرت على حركة التجارة والاستثمار، خصوصاً في قطاعي المصارف وتكنولوجيا المعلومات.

يأتي هذا التوثب بعد أن أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره السوري أحمد الشرع، الأربعاء 8 يوليو (تموز) 2026، قراره برفع اسم سوريا من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، مؤكداً في رسالة، اطلعت عليها "رويترز"، أن هذا التحول يأتي في إطار إزالة العقبات التي تعوق إعادة بناء البلاد. كما أشار إلى استعداد شركات أمريكية للاستثمار في سوريا والإسهام في دعم اقتصادها.

سوريا بوابة المتوسط.. هل تحجز فرنسا مقعدها في اقتصاد ما بعد الحرب؟ - موقع 24يبدو أن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، لم تكن مجرد عودة دبلوماسية لبلد عاش 13 سنة في عزلة دولية. إذ تؤشر الظلال الاقتصادية المصاحبة إلى دخول مُبكر إلى سوق لم تضع قواعدها النهائية بعد. فخلف المشهد السياسي الكبير خريطة اقتصادية أبرز معالمها مرفأ على البحر المتوسط، مطار يحتاج إلى ...

وجاء الإعلان عقب لقاء جمع الرئيسين في العاصمة التركية أنقرة، حيث سلم مسؤول أمريكي كبير الرسالة إلى الشرع، فيما ينص القانون الأمريكي على خضوع القرار لمراجعة من الكونغرس خلال 45 يوماً قبل استكماله بصورة نهائية.

عودة محتملة إلى النظام الاقتصادي العالمي

ورغم رفع معظم العقوبات المفروضة على سوريا  منذ الإطاحة بالنظام السابق أواخر 2024، بقي إدراجها على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ 1979 أحد أبرز العوائق أمام عودة البلاد إلى النظام المالي والاقتصادي العالمي. إذ يؤدي التصنيف إلى عزوف العديد من البنوك والشركات الدولية عن التعامل مع المؤسسات السورية خشية المخاطر القانونية والعقوبات المرتبطة بذلك.

وكانت الولايات المتحدة وضعت سوريا ضمن هذا التصنيف بسبب اتهامات بدعم نظام حافظ الأسد (1970-2000) لجماعات تعدها "إرهابية"، قبل أن تبدأ واشنطن برفع العقوبات تدريجياً عن دمشق بعد سقوط نجله بشار الأسد (2000-2024).

ويرى خبراء اقتصاد أن إزالة هذا التصنيف يمكن أن تسهم تدريجياً في تخفيف تكاليف العزلة الاقتصادية، من خلال تسهيل التحويلات المالية، عودة البنوك المراسلة، فتح الاعتمادات التجارية وتقليل نفقات التأمين والشحن والامتثال المالي.

الخبير الاقتصادي عبدالعظيم المغربل، يقول إن إنهاء التصنيف يمثل خطوة مهمة نحو "العودة إلى الساحة الدولية"، موضحاً أن سوريا كانت تتحمل "تكاليف إضافية في عمليات الاستيراد وتمويل التجارة والتحويلات بسبب القيود والمخاطر القانونية المرتبطة بالتعامل بها".

ويضيف المغربل أن فتح القنوات المصرفية الرسمية قد يساعد في تعزيز تدفق العملات الأجنبية بعيداً عن السوق الموازية، ما ينعكس على النشاط الاقتصادي وقدرة التجار والصناعيين على تأمين المواد الأولية والطاقة والمعدات اللازمة للإنتاج، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء السورية "سانا".

القطاع المصرفي في مقدمة المستفيدين

ويعد القطاع المصرفي من أكثر القطاعات التي يترقب العاملون فيها نتائج رفع التصنيف، إذ إن عودة العلاقات المصرفية الدولية ستسهل عمليات التحويل والتجارة الخارجية، وتمنح الشركات السورية قدرة أكبر على التعامل مع الأسواق العالمية.
ويشير اقتصاديون إلى أن عودة البنوك المراسلة ستساعد على تقليل الاعتماد على القنوات غير الرسمية، وتحسين بيئة الأعمال، ورفع مستوى الثقة لدى المستثمرين المحليين والخارجيين.

كما يتوقع أن ينعكس القرار على سعر صرف الليرة السورية من خلال دعم تدفقات العملات الأجنبية عبر الاستثمار والتجارة والتحويلات، رغم أن استقرار العملة سيبقى مرتبطاً أيضاً بعوامل داخلية تشمل الإنتاج والسياسات النقدية والمالية.

ويساوي الدولار الأمريكي أكثر من 13 ألف ليرة وفق نشرة للصرافين في سوريا.

فرص جديدة للاستثمار وإعادة الإعمار

ويرى خبراء أن إزالة اسم سوريا من القائمة قد تشكل رسالة سياسية واقتصادية للمستثمرين الدوليين بأن البلاد باتت أقرب إلى العودة للاندماج في الاقتصاد العالمي، ما قد يشجع الشركات على دراسة فرص الاستثمار في السوق السورية.

ويؤكد رجل الأعمال السوري بسام شحادات أن القرار يمثل بداية مرحلة اقتصادية جديدة، مشيراً إلى أنه "يعيد بناء الثقة تدريجياً بالاقتصاد السوري، ويسهل حركة الأموال ويشجع رجال الأعمال السوريين في الخارج على إعادة استثماراتهم". ويلفت إلى أن سوريا تملك فرصاً استثمارية واسعة في قطاعات إعادة الإعمار، والطاقة، والصناعة، والتكنولوجيا، والسياحة، والزراعة، والخدمات، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستتطلب سرعة الاستفادة من الفرص المتاحة وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.

ويرجح اقتصاديون أن يؤدي تحسن بيئة التجارة والاستثمار إلى آثار إيجابية على المدى المتوسط، من خلال خفض تكاليف الاستيراد وتحسين توفر السلع، ودعم النشاط الإنتاجي.

وقال شحادات إن زيادة تدفق العملات الأجنبية وعودة الاستثمارات يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط التضخمية وتحسين الظروف المعيشية عبر خلق فرص عمل جديدة وزيادة النشاط الاقتصادي.

التكنولوجيا والانفتاح الرقمي

ولم تقتصر آثار القرار المتوقعة على الجانب المالي، إذ يترقب قطاع التكنولوجيا السوري تحولاً كبيراً بعد سنوات من القيود التي حدّت من وصول المستخدمين والشركات إلى العديد من الخدمات الرقمية العالمية.

الحكومة السورية تعيد هيكلة الاقتصاد بالتسريح والخصخصة - موقع 24تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى إجراء إصلاحات جذرية للاقتصاد المنهك في البلاد، بما في ذلك خطط لتسريح ثلث العاملين في القطاع العام وخصخصة شركات مملوكة للدولة، كانت مهيمنة خلال حكم عائلة الأسد الذي دام نصف قرن.

وذكر وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري عبدالسلام هيكل في منشور على منصة "إكس"، أن "سوريا باتت على أعتاب التخلص من القيود التقنية الدولية المفروضة عليها منذ عقود"، معتبراً أن رفع التصنيف يمثل "خطوة نحو إعادة ربط البلاد بالمنظومة الرقمية العالمية".

ويشير مختصون إلى أن القيود السابقة لم تقتصر على بعض المنصات، بل شملت خدمات أساسية مثل تحديث أنظمة التشغيل، وتحميل التطبيقات من المتاجر الرسمية، والوصول إلى بعض الخدمات التقنية، ما دفع المستخدمين إلى الاعتماد على حلول بديلة مثل شبكات(VPN).

ويري خبير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات هاني الخلف أن الخطوة تمثل "تحولاً جذرياً" في مسار القطاع الرقمي، لأنها قد تفتح الباب أمام عودة الشركات التقنية العالمية وتسهيل حصول المؤسسات والأفراد على الخدمات الرقمية، وفق موقع "سوريا الآن".

ورغم حال التفاؤل، يؤكد اقتصاديون أن رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يمثل حلاً كاملاً لكل التحديات الاقتصادية، بل يشكل خطوة أولى تحتاج إلى إجراءات داخلية موازية، تشمل تحسين بيئة الاستثمار وتطوير النظام المصرفي وتعزيز الشفافية ودعم الإنتاج المحلي. كما أن جذب الاستثمارات الدولية سيعتمد على قدرة المؤسسات السورية على توفير بيئة مستقرة وقوانين واضحة تضمن حقوق المستثمرين.