وسط تصفيق ذويهم ومعلميهم، رفع ثلاثون طالباً وطالبة من غزة شهادات الثانوية العامة في "مدينة الإمارات الإنسانية" بأبوظبي، بعدما فرّقت الحرب بينهم وبين مدارسهم وأحلامهم. بعضهم وصل إلى الإمارات على سرير علاج، وآخرون فقدوا أطرافاً أو أفراداً من عائلاتهم، لكنهم لم يفقدوا مستقبلهم.

هكذا بدا المشهد الذي رصده موقع 24 في مدينة الإمارات الإنسانية صباح الأربعاء، حين احتفلت مدرستها بتخريج دفعتها الثانية من طلبة الثانوية العامة القادمين من غزة، في رحلة امتزج فيها العلاج بالدعم النفسي والتعليم، حتى أصبحت الشهادة الجامعية هي الحلم الذي ينتظرهم بعد أن كانت الأولوية للنجاة.

"مدينة الإمارات الإنسانية" التي تحتضن أكثر من 3000 فلسطيني، أُنشئت في 2020 لاستقبال النازحين من مناطق الأزمات والنزاعات حول العالم. وتستضيف منذ 2023 من قدموا من غزة إلى الإمارات مع مرافقيهم ضمن مبادرة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، لعلاج 1000 طفل من القطاع في مستشفيات الدولة، واستضافة 1000 فلسطيني من المصابين بالسرطان. فيما يتابع 850 طالباً تعليمهم بين جنباتها في الصفوف من الأول إلى الثاني عشر.

رحلة علاجية

وبين هؤلاء الخريجين، مصطفى هاني، شاب أصيب في رأسه في 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، قبل أن يصل إلى الإمارات مطلع 2024 لاستكمال رحلة علاجه التي بدأت في مصر بأربع عمليات جراحية، إحداها لزراعة عظم في الجمجمة، وتأثر بصره في عينه اليسرى. لكنه وقف اليوم خريجاً بمعدل 80%، قائلاً: "عندما وصلت إلى الإمارات شعرت بالأمل، وحين عدت إلى المدرسة في المدينة شعرت أن حياتي بدأت من جديد، واليوم أحلم بدراسة الهندسة".

أمل جديد

ولا تختلف قصة أحمد عريس، فالشاب البالغ من العمر 17 عاماً كان يحلم بالاحتراف في كرة القدم، ويتدرب يومياً في ناديه بغزة رغم شح الإمكانات، قبل أن تصيب الحرب ركبته اليمنى. ويقول: "فقدت فرصة أني ألعب كرة قدم وفقدت قدمي، لكن الإمارات قدمت لي فرصة حتى أرجع ألعب بعد ما فقدت الأمل". ولا يزال علاجه مستمراً، لكنه تخرج اليوم وعينه على الجامعة.

من تحت الركام

ومن تحت الأنقاض التي أخذت أمها وأختها حين قُصف المنزل الذي لجأوا إليه، خرجت ريم علوش لتقف اليوم خريجة بعد أن أُصيبت في كاحلها ودخلت 15 عملية جراحية في المنشآت الطبية بمدينة الإمارات الإنسانية دون أن تستسلم. جاءت إلى الإمارات في نهاية 2023، واليوم تتخرج حاملةً حلماً بدراسة المحاماة. وتقول: "الدعم الطبي والنفسي الذي تلقيناه في المدينة كان العامل الأساسي في عملية العلاج، ولولا قدومي إلى الإمارات لبُترت قدمي".

وتخرجت معهم سمى خليل، التي وصلت إلى الإمارات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 وهي في الرابعة عشرة من عمرها مصابة بـ"سرطان صفائح الدم"، لتبدأ رحلة علاج وتعليم في آنٍ واحد، وتحلم اليوم بدراسة التمريض. وتقول: "أتيت إلى مدينة الإمارات الإنسانية وبدأت رحلة العلاج، ووجدت كافة أنواع الدعم من صحة وتعليم وترفيه، وهذا كله بفضل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان".

حلم يتحقق

وكريم باسل، الذي انقطع عن الدراسة عامين جراء الحرب، ليعود إلى مقاعد الدراسة في المدينة ويتخرج حاملاً حلم دراسة الذكاء الاصطناعي، يقول: "الشعور كان لا يوصف لحظة الخروج من غزة إلى الإمارات لتلقي العلاج بعد الصعوبات التي مررنا بها، وعند وصولنا إلى المدينة الإنسانية وجدنا ترحيباً فاق التوقعات.. الإمارات دولة عظيمة احتضنتنا".

وخلال الحفل، راقب محمد أبوعيدة الذي وصل الإمارات في 2025، ابنته "جنى" المتعافية من حروق الدرجة الرابعة بعاطفة غلبت عليها مشاعر الفرح "طلعنا من تحت الموت والإبادة والجوع، وهنا الطعام والأمان والتعليم متوفر، وهو ما ساهم في دعم جنى وتخرجها اليوم".

وفي المقعد المجاور، لم تجد "أم مصطفى" كلمات تعبر بها عن امتنانها غير "أشكر الإمارات والمدينة الإنسانية على إنقاذ ابني من الموت، عشنا حياة مأساوية وربنا جابنا إلى هذا البلد ولم يقصروا معنا بشيء".

الدراسة الجامعية

وحول مستقبل هؤلاء الطلبة، يقول المستشار مبارك فلاح القحطاني، المتحدث الرسمي باسم مدينة الإمارات الإنسانية، إن "أمام الخريجين عدة خيارات لمواصلة تعليمهم، تشمل الالتحاق بجامعات خارج الدولة أو متابعة الدراسة عن بُعد في جامعات معتمدة". ويضيف أن العملية التعليمية في المدرسة تدار تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، فيما توفر المدينة لذوي الإعاقات خدمات خاصة بالتعاون مع "هيئة زايد لأصحاب الهمم".

فرق دعم

وخلف هذا النجاح فريق من المعلمين والمختصين النفسيين آثروا أن يكون الدعم النفسي قبل الأكاديمي. وتقول الأخصائية النفسية شمسة صالح الفلاحي: "في البداية لم يكن الطلبة في وضع نفسي يسمح بالتعلم، لكن مع الاحتواء والدعم ودمجهم في المجتمع وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية، تجاوزنا تلك المرحلة".

وتروي المعلمة مهرة علي النقبي، مسؤولة قسم الطالبات في المركز التعليمي بالمدينة، كيف بدأ فريق وزارة التربية والتعليم بالدعم النفسي قبل الدروس، مستحضرةً قصة الطالب "سِراج" الذي فقد كل أهله وكان في البداية رافضاً للتعليم، قبل أن يتحول إلى أحد المتميزين ويمشي على طرفٍ صناعي بثقة "أنا فخورة بهذا الطالب"، وتعذرت مقابلة "سِراج" لغيابه عن حفل التخرج.

وتختصر معلمة التربية الإسلامية جميلة عبدالله فلسفة الفريق بجملة واحدة "كان هدفنا دعمهم نفسياً قبل أكاديمياً، لأكون المعلمة والأخت والصديقة".