بعد سنوات من تصدرها قائمة شركات النمو في قطاع التكنولوجيا والإعلام، تواجه نتفليكس مرحلة جديدة في سوق المال، بعدما فقد سهمها نحو 45% من قيمته منذ تسجيله أعلى مستوى تاريخي، ما أدى إلى تبخر 260 مليار دولار من القيمة السوقية للشركة.

وبحسب "بلومبرغ"، تراجع سهم نتفليكس قرابة 45% منذ تسجيله أعلى مستوى تاريخي في 30 يونيو (حزيران) 2025، ليصبح من بين أسوأ 20 شركة أداءً ضمن مؤشر ستاندرد آند بورز 500، خلال الـ12 شهراً الماضية.

وخفّض بنك مورغان ستانلي، في 15 يوليو (تموز)، السعر المستهدف لسهم نتفليكس، من 115 دولاراً إلى 90 دولاراً. وأشار البنك في تقييمه إلى قلق المستثمرين من أن رفع أسعار الاشتراكات في فترة موسمية ضعيفة، مصحوبة بقائمة محتوى أقل جاذبية، ربما أدى إلى زيادة معدلات إلغاء الاشتراكات بشكل أعلى من المعتاد.

 260 مليار دولار خسائر 

هذا التراجع تسبب في تبخر نحو 260 مليار دولار من القيمة السوقية الإجمالية للشركة منذ يونيو (حزيران) 2025 وحتى يوليو (تموز) 2026. بينما فقد السهم 32% من قيمته منذ منتصف أبريل (نيسان) 2026، أي بالشهور الثلاثة الأخيرة فقط، عقب إعلان نتائج الربع الأول التي تضمنت إيرادات أقل من توقعات السوق، إلى جانب إعلان استقالة رئيس مجلس الإدارة والمؤسس المشارك ريد هاستينغز، وفق "بلومبرغ".

 وزادت الضغوط على السهم بعد إعلان المؤسس المشارك ورئيس مجلس الإدارة ريد هاستينغز مغادرة منصبه، في وقت بدأ فيه المستثمرون إعادة تقييم قدرة الشركة على الحفاظ على معدلات النمو المرتفعة التي ميزتها خلال العقد الماضي.

كما يأتي التراجع بعد انسحاب نتفليكس من المنافسة على الاستحواذ على "وارنر براذرز ديسكفري"، وهي الصفقة التي انتهت لاحقاً لصالح تحالف "باراماونت سكاي دانس"، ما أثار تساؤلات بشأن استراتيجية الشركة المستقبلية ومدى اعتمادها على النمو العضوي مقابل صفقات الاستحواذ.

3 أسباب وراء تراجع سهم نتفليكس

بحسب مذكرة صادرة عن بنك أوف أمريكا، فإن انخفاض سهم نتفليكس منذ بداية 2026 لا يحمل تراجعاً في أعمال الشركة بقدر ما يعكس ثلاثة مخاوف رئيسية لدى المستثمرين، هي:

1- تراجع تفاعل المستخدمين

رغم امتلاك نتفليكس أكثر من 300 مليون مشترك مدفوع حول العالم، يراقب المستثمرون عن كثب مؤشرات تفاعل المستخدمين، خصوصاً مع تراجع ساعات المشاهدة لكل مشترك مقارنة بالفترات السابقة.

كما أثار إعلان الشركة زيادة الإنفاق على المحتوى خلال 2026 مخاوف بشأن ارتفاع التكاليف، مقابل انخفاض التفاعل.

2- تغير استراتيجية الشركة:

في الماضي اعتمدت نتفليكس على استراتيجية "البناء بدلاً من الشراء"، إلا أن توجهها نحو دراسة صفقات استحواذ كبرى أثار تساؤلات حول قدرتها على إدارة هذا التحول، وإمكانية الحفاظ على تقييمها المرتفع.

3- قوة المنافسة:

تواجه نتفليكس منافسة متزايدة من منصات البث التقليدية، إضافة إلى منصات الفيديو القصير مثل "يوتيوب شورتس" و"تيك توك"، التي أصبحت تنافس على وقت المشاهدين.

كما تواجه الشركة تحدياً إضافياً في الأسواق المتقدمة، إذ بات نمو عدد المشتركين أكثر صعوبة مقارنة بالسنوات الأولى لانتشار خدمات البث.

أين تكمن المشكلة؟

رغم الانخفاض في السهم، فإن المؤشرات التشغيلية لا تعكس انهياراً في أعمال الشركة، إذ يُشير تحليل "The Motley Fool"، إلى أن نتفليكس تواصل زيادة الإيرادات والأرباح، كما تواصل توسيع نشاطها الإعلاني، إلا أن المستثمرين أصبحوا أقل استعداداً لدفع تقييمات مرتفعة مقابل الشركة.

وبحسب التحليل، فإن جزءاً كبيراً من تراجع السهم مرتبط بتغير تقييم السوق للشركة، وليس بتراجع جوهري في أعمالها. وكانت نتفلكس خلال سنوات النمو السريع، تتداول عند مضاعفات ربحية مرتفعة جداً، إذ كان المستثمرون يراهنون على استمرار الزيادة الكبيرة في عدد المشتركين والإيرادات. أما اليوم، فأصبحت الأسواق تنظر إليها بصورة أقرب إلى شركة إعلامية ناضجة، تحتاج إلى إثبات قدرتها على الحفاظ على نمو الأرباح.

ويتركز اهتمام المستثمرين حالياً على ثلاثة ملفات رئيسية: نمو إيرادات الإعلانات، وزيادة متوسط الإيرادات لكل مستخدم، وتحسين هوامش الربح، باعتبارها المحركات الأساسية لتعويض تباطؤ نمو المشتركين.

أزمة مُتكررة.. لكن أصعب

ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها نتفليكس أزمة ثقة في الأسواق؛ ففي أبريل (نيسان) 2022 أعلنت الشركة أول انخفاض في عدد المشتركين منذ أكثر من عقد، ما تسبب في موجة بيع حادة لسهمها وخسارة أكثر من 200 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال فترة قصيرة.

وأعقب ذلك رفع مساهمين دعوى قضائية جماعية ضد الشركة، اتهموا فيها الإدارة بإصدار توقعات مضللة وعدم الإفصاح بشكل كاف عن تباطؤ نمو المشتركين، وتأثير مشاركة كلمات المرور، واشتداد المنافسة، وصعوبة الاحتفاظ بالعملاء.

لكن الأزمة الحالية تختلف عن أزمة 2022، إذ لا ترتبط بخسائر مشتركين أو تراجع حاد في النشاط، بل بتغير توقعات المستثمرين بشأن مستقبل النمو وقدرة الشركة على الحفاظ على تقييمها المرتفع.