مع اقتراب موعد نهائي مونديال 2026 الذي يجمع منتخبَي الأرجنتين وإسبانيا يوم الأحد الموافق 19 يوليو (تموز) على ملعب "ميتلايف ستاديوم" في نيوجيرسي، تتجه الأنظار مجدداً إلى الكأس الذهبية التي سيرفعها الفريق الفائز، وهي واحدة من أكثر الجوائز الرياضية إثارة للجدل والفضول في التاريخ.
ونستعرض في هذا التقرير قصة هذه الكأس الكاملة، بدءاً من نجاتها من قبضة النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، مروراً بسرقتيها الرسميتين اللتين وقعتا بعد الحرب، وصولاً إلى تصميم النسخة الحالية ومنظومة الحماية الصارمة المفروضة عليها اليوم.
خلال الحرب العالمية الثانية، خُبئَ كأس العالم بذكاء بعيداً عن أعين القوات النازية، وفقاً لما أوضحه موقع "الاتحاد الدولي لكرة القدم" (فيفا) الرسمي. أما تاريخياً، تعرضت النسخة الأولى من الكأس، المعروفة باسم "جول ريميه"، للسرقة في مناسبتين رسميتين فقط، وقعتا كلتاهما بعد انتهاء الحرب، بحسب ما وثقته "ويكيبيديا".

نجاة الكأس من النازيين
كانت الكأس بحوزة إيطاليا بعد فوزها ببطولة 1938، ومع اندلاع الحرب بدأت قوات النازيين البحث عنها لمصادرتها. وبحسب ما نقتله صحيفة "آس" الإسبانية، هرب الإيطالي أوطورينو باراسي، نائب رئيس "فيفا" آنذاك ورئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، الكأسَ سراً من بنك في روما، ووضعها داخل علبة أحذية قديمة أخفاها تحت سريره. ورغم تفتيش الجنود النازيين لمنزله، لم ينظروا تحت السرير، فبقيت الكأس آمنة حتى عودة البطولة في 1950.
السرقتان الرسميتان في تاريخ الكأس
لندن (1966) - استعادة سريعة
سُرقت الكأس من داخل خزانة عرض زجاجية خلال معرض عام للطوابع في قاعة "ميثوديست المركزية" بلندن، قبل أشهر قليلة من انطلاق مونديال إنجلترا 1966، وفقاً لـ"ويكيبيديا". وبعد استنفار أمني وطلب فدية مالية، عُثر على الكأس خلال أسبوع واحد فقط، لا على يد الشرطة، وإنما بمساعدة كلب يُدعى "بيكلز" كان يتنزه مع صاحبه ووجدها ملفوفة بورق صحف قديم تحت شجيرة في حديقة جنوب لندن.

ريو دي جانيرو (1983) - اختفاء دائم
منحت قوانين "فيفا" القديمة البرازيلَ حق الاحتفاظ بالكأس الأصلية مدى الحياة بعد فوزها باللقب للمرة الثالثة في 1970. وفي ديسمبر (كانون الأول) 1983، اقتحم لصوص مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم في ريو دي جانيرو وسرقوا الكأس، ولم يُعثر عليها منذ ذلك الحين. ويسود اعتقاد واسع، لم تؤكده التحقيقات الرسمية بشكل قاطع بحسب "ويكيبيديا"، بأن اللصوص صهروا الكأس وحوّلوها إلى سبائك ذهبية لبيعها في السوق السوداء.
الكأس الحالية: القصة والمواصفات
بعد احتفاظ البرازيل بكأس "جول ريميه" الأصلية في 1970، احتاجت "فيفا" إلى كأس جديدة تماماً لبطولة 1974، ففتحت باب التقديم للمصممين حول العالم، واستقبلت 53 تصميماً من فنانين في سبع دول، بحسب "ويكيبيديا" و"إيكونوميك تايمز". ووقع الاختيار على تصميم النحات الإيطالي سيلفيو غازانيغا، الذي صنعتها شركة "جي دي إي بيرتوني" الإيطالية.
ووصف غازانيغا فكرته، كما نقلت "فيفا" على موقعها الرسمي، بأنها تجسّد خطوطاً تنبثق من القاعدة وترتفع في دوامات، تمثل لاعبين يرفعان ذراعيهما في لحظة انتصار، ويحملان كرة أرضية فوقهما ترمز إلى شمولية كرة القدم.
أما المواصفات الفنية، فالكأس مصنوعة من الذهب عيار 18 قيراطاً، ويبلغ ارتفاعها 36.8 سنتيمتراً، ووزنها الإجمالي 6.175 كيلوغراماً، منها قرابة 5 كيلوغرامات من الذهب والباقي من قاعدتها المصنوعة من طبقتين من حجر الملاكيت الأخضر، وفق "إيكونوميك تايمز" و"هيستوري". وتُنقش أسماء الدول الفائزة وأعوام تتويجها على الجزء السفلي من هذه القاعدة.

القوانين الأمنية الجديدة
لا يُسمح لأي دولة بالاحتفاظ بالنسخة الأصلية مدى الحياة بغض النظر عن عدد مرات فوزها. وتبقى النسخة الأصلية دائماً في حوزة "فيفا" وتُعرض في متحف الاتحاد الدولي لكرة القدم بزيورخ، وتُسلَم للفريق الفائز يوم النهائي للاحتفال بها على أرض الملعب فقط تحت حراسة مشددة، ثم تُستعاد فوراً قبل مغادرته الملعب. ويُمنح الفريق الفائز بدلاً منها نسخة طبق الأصل تُعرف باسم "كأس الفائز بالبطولة"، مصنوعة من البرونز المطلي بالذهب لا من الذهب الخالص، لضمان عدم وجود قيمة مادية تدفع لصوصاً لصهرها مجدداً.
"لويس فيتون".. الحماية "الفاخرة" للكأس في النهائي
جزء من هذه المنظومة الأمنية يتجسد في الصندوق المخصص الذي يُنقل بداخله الكأس الأصلية إلى أرض الملعب، والذي تصنعه يدوياً دار الأزياء الفرنسية الفاخرة "لويس فيتون". وبحسب ما أعلنته "فيفا" رسمياً، بدأت هذه الشراكة في مونديال جنوب أفريقيا 2010، واستمرت في نسخ 2014 و2018 و2022، ووصولاً إلى نسخة 2026 الحالية، لتبلغ بذلك خمس بطولات متتالية.
يُصنع الصندوق في ورشة "أسنيير سور سين" التاريخية القريبة من باريس، ويُغطى بقماش "المونوغرام" الشهير الذي يميز منتجات الدار، مع زوايا وقفل وأبازيم مطلية بالذهب على طراز الأدوات المعدنية التي تستخدمها لويس فيتون منذ القرن التاسع عشر. أما من الداخل، فيُبطَن الصندوق بجلد فاخر بلون بيج فاتح، ويُصمَم بأبعاد دقيقة تحاكي انحناءات الكأس الذهبية لضمان تثبيتها ومنع تعرضها للخدش أثناء النقل. ويفتح الصندوق من الأمام ومن الأعلى لعرض الكأس بشكل مهيب عند وصولها إلى الملعب.
وفي يوم المباراة النهائية، يدخل الصندوق المغلق إلى أرضية "المستطيل الأخضر" قبل مراسم التتويج محمولاً بواسطة سفير لويس فيتون رفقة أحد أساطير كرة القدم السابقين، ولا يُفتح لإخراج الكأس الأصلية منه إلا في اللحظات الأخيرة المخصصة لبدء حفل التتويج الرسمي، تمهيداً لتسليمها لقائد المنتخب الفائز.

نقش أسماء الفرق الفائزة: أين ومتى؟
لا تُنقش الأسماء على واجهة الكأس ولا على حلقاتها الخضراء، وإنما في الجانب السفلي لقاعدتها، بحيث لا تظهر إلا عند رفع الكأس وقلبها. وتُنقش الأسماء بشكل دائري ومقسم إلى خطوط، يتضمن كل سطر عام التويج متبوعة باسم الدولة.
صُممت القاعدة لتستوعب أسماء 17 فائزاً فقط، وبدأ النقش عليها منذ بطولة 1974 التي فازت بها ألمانيا الغربية. وحتى نسخة 2022 التي توجت بها الأرجنتين، نُقش 13 اسماً فقط، بمعدل بطولة واحدة كل 4 أعوام. وبما أن القاعدة تتسع لـ17 اسماً، فإن المساحة المتبقية تكفي لـ4 بطولات إضافية هي نسخ 2026 و2030 و2034 و2038، وبحلول ذلك التاريخ الأخير ستكون القاعدة قد امتلأت تماماً، بحسب تقارير متخصصة.
القائمة الكاملة للأسماء المنقوشة حتى الآن (بحسب الترتيب الزمني)
1974 – ألمانيا الغربية
1978 – الأرجنتين
1982 – إيطاليا
1986 – الأرجنتين
1990 – ألمانيا
1994 – البرازيل
1998 – فرنسا
2002 – البرازيل
2006 – إيطاليا
2010 – إسبانيا
2014 – ألمانيا
2018 – فرنسا
2022 – الأرجنتين
وتُكتب أسماء الدول بلغاتها الوطنية لا بالإنجليزية، مثل كتابة Deutschland بدلاً من Germany وBrasil بدلاً من Brazil. وفي 2014، اضطرت "فيفا" إلى إعادة ترتيب النقوش على القاعدة في خطوط دائرية متقاطعة لتوفير مساحة إضافية تضمن استيعاب الأسماء حتى موعد امتلاء الكأس المتوقع.

ماذا ستفعل "فيفا" عندما تمتلئ القاعدة؟
وفقاً لخطط أولية للاتحاد الدولي لكرة القدم، هناك خياران مطروحان: إما تجديد القاعدة باستبدال حلقاتها الرخامية بقاعدة جديدة توفر مساحة لمزيد من الأسماء، أو صنع كأس جديدة تماماً عبر مسابقة تصميم عالمية أخرى، مع الإبقاء على الكأس الحالية في متحف "فيفا" بشكل دائم كإرث تاريخي.