لم تكن موقعة نصف نهائي كأس العالم 2026، التي حسمها المنتخب الأرجنتيني بصعوبة بالغة أمام نظيره الإنجليزي بنتيجة 2-1 مجرد ملحمة تكتيكية على المستطيل الأخضر، بل كانت معركة موازية خاضتها الملايين من الجماهير خلف الشاشات وفي المدرجات بسلاح الطقوس والتمائم.
ومع اقتراب الصدام المصيري الأحد المقبل ضد إسبانيا وعين "التانغو" على الكأس الرابعة، يتصاعد تمسك الأرجنتينيين بعاداتهم الصارمة، من طريقة الجلوس والرفقة إلى نوعية الملابس؛ إذ يؤمن هؤلاء المشجعون بأن دورهم لا يقتصر على المشاهدة، بل هم شركاء فاعلون في صناعة الفوز عبر التزام لا يقبل التهاون بأدق تفاصيل الروتين جالب الحظ.

وتُعرف هذه المنظومة من المعتقدات الشعبية محلياً في الأرجنتين باسم "الكابالاس"، وهي كلمة إسبانية تعني حرفياً "التمائم" أو "الطقوس الممنهجة لتجنب النحس وجلب الحظ". وفي سيكولوجية كرة القدم الأرجنتينية، تتجاوز "الكابالاس" حدود الخرافة العابرة لتصبح عقيدة راسخة تُتوارث عبر الأجيال وتلغي الفوارق الاجتماعية؛ إذ تقوم على مبدأ صارم يمنع تغيير أي سلوك أو رداء أو رفقة ارتبطت بفوز سابق للفريق، معتبرين أن أي تعديل طفيف في البيئة المحيطة بيوم المباراة قد يطلق طاقة سلبية تُعرف بـ"الموفا" أي النحس الذي قد يتسبب فوراً في هزيمة المنتخب.
وتتجلى صرامة هذه الطقوس في قصص المشجعين اليومية؛ إذ يروي أندريس غونساليس، وهو محاسب من بوينوس آيرس، حسب وكالة (أ ف ب) اليوم الجمعة، التزامه التام بعدم تغيير مقاعد الجلوس داخل منزله طوال البطولة، مؤكداً بنبرة حازمة أنه في حال تسجيل هدف للأرجنتين أثناء تواجد أحد أفراد العائلة في الحمام، يتم احتجازه هناك حتى صافرة النهاية للحفاظ على وتيرة التوفيق.
وتتعدد أساليب الاستجابة لـ"الكابالاس" لتشمل طقوساً دفاعية وأخرى هجومية؛ فمن الجانب التكتيكي الافتراضي، يلجأ الأطفال والشباب، مثل الطفل رودريغو سيرنا، إلى طقس "تجميد المنافس" عبر وضع دمى أو قصاصات تحمل أسماء لاعبي الفريق المنافس داخل الثلاجة لشلّ حركتهم وتألقهم. وفي المقابل، تحضر طقوس التجمع الكلاسيكية مثل إعداد "الأسادو" الجماعي (الشواء الأرجنتيني) وشرب "الماتيه" لتفريغ التوتر المتبادل، وصولاً إلى تقديم "الوعود الكونيا" الصادمة (Las Promesas) كحلق الرأس أو رسم الأوشام التاريخية، مثل إلينا خيمينيس التي وثّقت تاريخ لقب 2022 على ساقها، وتمتنع الآن عن الحديث عن وشم جديد تفادياً للنحس.
هذا الهوس الجماهيري لا يقف عند حدود الأحياء الشعبية، بل يتغلغل في باقي المجتمع؛ إذ أعلن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي رسمياً عدم سفره إلى الولايات المتحدة لحضور النهائي، ملتزماً بـ"كابالا" متابعة اللقاء خلف التلفاز في المقر الرئاسي بأوليفوس برفقة شقيقته كارينا. وكشف ميلي أنه سيخوض النهائي مرتدياً سترة سميكة لشركة النفط "واي بي إف"، وهي السترة ذاتها التي ارتداها في ربع النهائي أمام سويسرا، موضحاً أنه عندما نزعها لشعوره بالحرارة تلقى مرماه هدفاً، فأعاد ارتداءها فوراً لربط التوفيق بوجودها.
ويُفسر عالم الاجتماع دييغو مورسي هذا الترابط الوثيق بأن كرة القدم في الأرجنتين طقس مرتبط بالقديسين وعلى رأسهم الأسطورة دييغو مارادونا، الذي تمتلك عائلته مذبحاً شعبياً بالشموع والأعلام في حي فيا ديفوتو. ويشير مورسي إلى أن المشجع الأرجنتيني يتصرف كـ"فاعل" في الحدث وليس مجرد متفرج، وهي ثقافة متجذرة تاريخياً ولها شواهد رسمية، مثل مدرب مونديال 1986 كارلوس بيلاردو، الذي حافظ على طقس الإجابة على هاتف الغرفة الخالي من المتصل قبل كل مباراة طوال البطولة لأنها بدأت بصدفة جلبت الفوز.