تستعد أسواق الطاقة لمرحلة جديدة من الاضطرابات مع دخول مضيق هرمز– الممر الاستراتيجي لعبور خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز الطبيعي– حالة من الشلل شبه الكامل، إثر عودة التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران وفرض الحصار البحري على السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية.
هذه المخاطر العسكرية تُلقي بظلالها مباشرة على سلاسل الإمداد، ما تسبب في قفزة متسارعة لأسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، وسط تحذيرات وكالة الطاقة الدولية بأن "استمرار تعطيل الملاحة في هرمز لأسابيع إضافية يضع الاقتصاد العالمي أمام صعوبات جديدة غير مسبوقة".
أعداد السفن تهبط إلى مستويات استثنائية
تظهر بيانات منصة تتبع السفن "كبلر" أن 7 سفن فقط عبرت المضيق، يوم الأربعاء، مقابل 13 سفينة في اليوم السابق. وتبين البيانات أن 4 سفن دخلت الخليج، بينها ناقلات نفط صغيرة وسفينة حبوب، بينما غادرت 3 سفن تحمل غاز البترول المسال والفحم وزيت الوقود.
في رصد منفصل، تُفيد وكالة "رويترز"، بتواصل التراجع التدريجي في عدد ناقلات النفط والغاز المرصودة، ليهبط من 22 ناقلة إلى 14، ثم 10 ناقلات، وصولاً إلى أدنى مستوى يوم الأحد الماضي، بمرور 6 سفن فقط من مختلف الأنواع.
وفي تحديث لبيانات يوم الأربعاء، أحصت وكالة "رويترز" عبور 9 سفن (دخلت 5 منها الخليج و4 غادرته)، في ظل غياب تام لناقلات النفط العملاقة أو ناقلات الغاز الطبيعي المسال. ويرجح المراقبون أن يعود اختلاف تقديري "كبلر" و"رويترز" إلى التفاوت في توقيت تحديث بيانات أنظمة التعريف الآلي، خاصة مع إغلاق بعض السفن أجهزة التتبع لأسباب أمنية.
عمليات أمريكية مكثفة
تتزامن المؤشرات الاقتصادية مع دخول المواجهة العسكرية يومها السادس على التوالي، إذ تواصل القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) استهداف عشرات المواقع الحيوية داخل إيران، بما في ذلك مراكز قيادة، ومنصات دفاع جوي، وقدرات صاروخية، ومنشآت مراقبة ساحلية في مناطق استراتيجية.
وتؤكد واشنطن أن هذه الضربات المتواصلة – التي تجري بمشاركة قوة عسكرية قوامها أكثر من 50 ألف جندي – تهدف بالأساس إلى تصفير صادرات النفط الإيرانية، وإجبار طهران على التفاوض، ومنعها من فرض أي رسوم أو قيود أحادية على حركة السفن في مضيق هرمز.
على الأرض، تأخذ الإجراءات منحنى متصاعداً، إذ تُعلن القوات الأمريكية تعطيل ناقلة النفط الفارغة "إم/تي بيلما" (التي ترفع علم كوراساو) باستخدام صواريخ "هيلفاير"، بعد تجاهلها التحذيرات ومحاولتها التوجه إلى ميناء إيراني، بالتزامن مع إجبار سفينتين أخريين على تغيير مسارهما.
وفي محاولة لكبح جماح القلق المتزايد في الأسواق المالية، يؤكد البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يزال منفتحاً على المسار الدبلوماسي مع إيران، وسط تحذيرات من أنه قد يُوسّع نطاق الهجمات العسكرية، ما لم تَعُد طهران إلى طاولة المفاوضات، حسب الوكالة الفرنسية.
ويُلوّح ترامب بأن الأسبوع المقبل سيكون "سيئاً للغاية" بالنسبة إلى طهران في حال استمرار رفضها للمحادثات، إذ تشمل التهديدات الأمريكية احتمال استهداف الجسور، ومحطات وشبكات توليد الكهرباء، إلى جانب المنشآت العسكرية والساحلية.
الهند توقف إرسال بحارتها عبر هرمز
في مؤشر على اتساع التأثير الإنساني والتجاري للأزمة، أصدرت المديرية العامة للشحن البحري الهندية أمراً يحظر على مالكي السفن ومشغليها وشركات التوظيف إرسال بحارة هنود في رحلات تتطلب المرور عبر مضيق هرمز، على أن يستمر القرار حتى صدور تعليمات جديدة.
وتبرر المديرية هذا القرار بارتفاع المخاطر المحدقة بأطقم السفن التجارية جراء الهجمات الأخيرة، مطالبة السفن المتواجدة حالياً في المنطقة بمواصلة متابعة التحذيرات الملاحية واتخاذ إجراءات احترازية مشددة.
ويأتي التحرك الهندي في أعقاب مقتل بحارين هنديين في هجمات على سفن بالمنطقة خلال الأيام الثلاثة الماضية، مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.
ويكتسب الحظر أهمية استثنائية لأسواق الملاحة العالمية، كون الهند تمثل ثالث أكبر مزود للبحارة في العالم، بأكثر من 300 ألف بحار يعملون ضمن أساطيل الشحن الدولية، ما يهدد بزيادة شلل حركة سلاسل الإمداد.
أمام العالم أسابيع فقط
من جانبه، يحذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، من أن "استمرار تعطيل الملاحة في هرمز لأسابيع إضافية، يضع الاقتصاد العالمي أمام صعوبات جديدة، لا سيما مع تهديد شحنات النفط والغاز الطبيعي والأسمدة والمواد الخام".
ويؤكد بيرول في مقابلة مع "بلومبيرغ" على هامش منتدى أسبن الأمني في كولورادو، أن "المطلوب الآن هو إعادة فتح المضيق بشكل كامل ودون شروط"، مضيفاً أن "هامش الوقت المتاح يقاس بالأسابيع وليس بالأشهر".
ويشير مدير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الدول النامية والاقتصادات الآسيوية- خصوصاً الهند وباكستان وبنغلاديش- الأكثر عرضة لتداعيات نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.
هل يتأثر خط البحر الأحمر؟
ميدانياً، لم يتأثر خط البحر الأحمر– الممر الذي يتحكم في 7% من تدفقات الطاقة العالمية- بالمستوى المسجل في هرمز. إذ يفيد مركز المعلومات البحرية المشترك "JMIC" في تحديثه الصادر في 16 يوليو (تموز) الحالي، بأن حركة السفن التجارية تستمر بصورة مستقرة عبر جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، دون تغير عملياتي ملحوظ، كما تحافظ الحركة في خليج عدن على استقرارها المعتاد.
مع ذلك، يبقى هذا الاستقرار مرهوناً بمدى اتساع رقعة المواجهة في الخليج، وما إذا كانت تداعيات حصار هرمز ستجبر سلاسل الإمداد على تحويل مساراتها بالكامل نحو الممرات المجاورة، حسب المركز.