تجاوز الإقبال القياسي لجماهير الأرجنتين وإسبانيا على نيويورك حدود الشغف الرياضي، ليتحول إلى طفرة اقتصادية هائلة في قطاعي الطيران والخدمات اللوجستية لنهائي مونديال 2026.
الأرجنتين: من إلغاء الرحلات إلى إضافة رحلة طارئة ثالثة
اضطرت شركة الطيران الحكومية "أيرولينياس أرجنتيناس" لإضافة رحلة طارئة ثالثة إلى نيويورك بعد نفاد مقاعد الرحلتين الأوليين البالغة 540 مقعداً بشكل خاطف، بأسعار بدأت من 2,200 دولار للمسار الواحد، بحسب ما كشفه موقع "أفياسيون لاين" المتخصص بالطيران. ويمثل هذا الإقبال طوق نجاة مالي للشركة، التي كانت قد ألغت في مايو (أيار) الماضي بعض رحلاتها الداخلية المرتبطة بالمونديال من مدن مثل قرطبة وتوكومان بسبب ارتفاع تكاليف الوقود وضعف الطلب الأولي، قبل أن يقلب تأهل الأرجنتين للنهائي الموازين المالية تماماً.

وامتد هذا الضغط الشرائي إلى سوق الطيران الخاص؛ إذ ارتفعت تعرفة رحلات الطيران العارض والطائرات الخاصة المتجهة إلى نيويورك بنسبة تتراوح بين 20 و30% خلال ساعات فقط. وأكدت شركة "ويلوجيتس" للطيران الخاص أن أسطولها المتجه من مدريد وبوينس آيرس نحو نيويورك نفد بالكامل، رغم أن الحد الأدنى لأسعار الرحلات الخاصة لرجال الأعمال والمشجعين الأثرياء بدأ من 90 ألف يورو.
وبحسب تحليل موقع "ذا ناشيونال فايننشال"، تخطت ميزانية المشجع الأرجنتيني أو الدولي لحضور المباراة مفهوم السفر التقليدي؛ إذ لا تقل التكلفة الدنيا للرحلة الواحدة، شاملة الطيران والتأشيرة الإلكترونية وإقامة ثلاث ليالٍ فقط، عن 8,000 دولار أمريكي، قبل احتساب مصاريف الطعام والانتقالات الداخلية. كما قفزت أسعار الفنادق في نيويورك ونيوجيرسي، ليبلغ متوسط الإقامة في الغرف العادية 525 دولاراً لليلة، بينما تصل الشقق السكنية لثلاث ليالٍ إلى متوسط 675 دولاراً لليلة.
إسبانيا: طفرة بحث عن الطيران تتجاوز 1700%
على الجانب الآخر من الأطلسي، شهدت إسبانيا قفزة اقتصادية تاريخية ومفاجئة في سوق الطيران والسياحة فور تأهل منتخبها للنهائي إثر فوزه على فرنسا، وإن جاءت بنمط سفر مختلف يعتمد على الرحلات الخاطفة والسريعة. كشفت شركة الطيران الإسبانية "ليفل"، التي تشغل رحلات مباشرة من برشلونة إلى نيويورك، أن عمليات البحث عن تذاكر الطيران إلى المدينة الأمريكية تضاعفت بنسبة 1,709% خلال الساعات الأولى التي تلت صافرة نهاية نصف النهائي، بحسب "إف تي إن نيوز".
وعلى عكس النمط الأرجنتيني القائم على الإقامات الطويلة، أظهرت البيانات أن الطلب الإسباني تركز بالكامل على المغادرة يومي الجمعة والسبت (17 و18 يوليو - تموز)، مع عودة مباشرة يومي 20 و21 يوليو، في نمط يُعرف اقتصادياً بـ"سياحة الأحداث السريعة" المتوافقة مع التزامات العمل. وامتد الضغط الشرائي إلى شركات كبرى مثل "إيبيريا" و"إير يوروبا"، إذ تجاوزت أسعار الرحلات المباشرة بين مدريد أو برشلونة ومطار جون كينيدي حاجز 4,500 يورو للدرجة السياحية، ما دفع آلاف المشجعين نحو خيارات "الترانزيت" غير المباشر عبر شركات مثل "تاب إير بورتغال" و"لوفتهانزا" مروراً بلشبونة وفرانكفورت كبديل أقل تكلفة.

وبحسب تقرير "ترافل آند تور وورلد"، تملك إسبانيا ميزة اقتصادية مسبقة؛ إذ إن آلاف المشجعين الإسبان متواجدون بالفعل في الولايات المتحدة منذ الأدوار الإقصائية، وساهموا طوال الأسابيع الماضية في رفع نسب إشغال الفنادق والمطاعم الأمريكية، مكتفين بتمديد حجوزاتهم والانتقال داخلياً نحو نيويورك بدلاً من تحمل تكلفة رحلة عابرة للمحيط من جديد.
وعلى الصعيد المحلي، ورغم الأسعار الجنونية لتذاكر ملعب "ميتلايف" التي فرضتها "فيفا"، والتي تبدأ فئتها الثانية من 7,380 دولاراً، شهدت إسبانيا ذاتها ازدهاراً اقتصادياً محلياً موازياً؛ إذ امتلأت ساحات ومقاهي مدريد وبرشلونة وفالنسيا بالكامل عبر حجوزات مسبقة لمشاهدة المباراة على الشاشات الضخمة، فيما رصدت المتاجر الرياضية قفزة بنسبة 400% في مبيعات قمصان المنتخب، وتحديداً قميص النجم الشاب لامين يامال بالرقم 19، وقميص اللاعب ميكيل أويارثابال.

ويكشف المسار الاقتصادي الموازي في الأرجنتين وإسبانيا عن نمطين مختلفين للاستفادة من زخم النهائي؛ ففي حين اعتمد الاقتصاد الأرجنتيني على إنفاق مكثف لرحلات طويلة ومكلفة نحو نيويورك أنقذت شركة الطيران الوطنية من خسائرها السابقة، اعتمد الاقتصاد الإسباني على نمط سياحي أسرع وأكثر كفاءة استفاد من وجود جمهور مسبق في الولايات المتحدة، بينما تشترك الدولتان في تحفيز أسواق محلية موازية، من الحجوزات الفندقية إلى مبيعات القمصان الرياضية، في وقت يرفع فيه ارتفاع أسعار التذاكر والطيران عبء حضور النهائي إلى مستويات غير مسبوقة لكلا الجمهورين.